هاجس التجنيد الإجباري في جيش الأسد السلطاني

هاجس التجنيد الإجباري في جيش الأسد السلطاني

صورة وزعتها دعاية النظام في 2016

تتماهى الصورة الملتقطة لمجموعة من الشباب السوريين المقيدين بالسلاسل، أمام شعبة تجنيد المزة، وهم في طريقهم لصعود سيارة الشرطة العسكرية المخصصة لنقل المتهربين من أداء خدمة العلم في جيش الأسد؛ مع الصور التي تحفل بها ذاكرتنا عن الطريقة التي كان يتم بها شحن الأفارقة المختطفين من قلب أوطانهم إلى مستعمرات الإمبراطورية البريطانية في العالم الجديد-أمريكا- ليتم تحويلهم لاحقًا إلى عبيد أرض أو عبيد منازل، مع  كل ما يحمله ذلك من ذل وهدر للكرامة الانسانية، وهو الأمرالذي يتقاطع في جوهره مع وضعية الشباب السوريين الذين وجدوا أنفسهم أسرى الدولة الأسدية، التي قررت تحويلهم إلى عبيد حرب في معركة إخضاع  للسوريين وإدخالهم في بيت طاعتها من جديد.

لا يختلف الشبان السوريون المساقون إلى الخدمة العسكرية الإجبارية في جيش الأسد عن أبناء أفريقيا المساقين إلى العبودية في مستعمرات بريطانيا

كشفت ثورة السوريين ضد نظام الأسد عن زيف الشعارالعقائدي الذي كانت السلطات الأسدية تصر على أن تصم آذاننا به، من حيث إن المهمة المقدسة لـ"جيش الشعب" تنحصر في الدفاع عن سيادة الوطن، ليتبين لاحقًا أنه مجرد جيش لآل الأسد، لا يخجل من رفع الشعار التدميري الكبير "الأسد أو نحرق البلد"، الأمر الذي يشرح لنا تفضيل أعداد كبيرة من مقاتلي الجيش الحر وعائلاتهم، ممن هزمهم النظام عسكريًا في مناطقهم التي كانوا يدافعون عنها، خوضَ تجربة العقاب الجماعي المتمثلة بالنفي إلى إدلب على الإذعان للسلطات الأسدية التي تصرعلى مقايضة وجودهم في قراهم ومدنهم عبر إشراكهم في حربها الاستئصالية ضد إخوانهم في الحرية.

اقرأ/ي أيضًا: الجيش في سوريا.. من عقائدية المؤسسة إلى مليشيا العائلة وطائفيتها

في السياق ذاته، يصارع أبناء المدن الكبرى التي تخضع لسلطة جيش الأسد، لتجنب القبض عليهم من قبل الشرطة العسكرية التي تتربص بهم في كل مطرح، رغبة منها في تعويض النقص الكبير، المتحصل من جراء هروب آلاف الشباب من شبح الخدمة العسكرية، التي لم تعد في نظرهم مكانًا لتحقيق الاندماج الوطني، وليس مكانًا لاختبار قيم التحمل والصبر والتسامح والانضباط، كما أصبحت خطابًا ذا نزعة أيدولوجية متهافتة عن عظمة القائد الخالد وذاته النرجسية المتعالية.

إذا كان من المفهوم والمتوقع أن يتهرب أبناء المناطق التي لسان حالها المثل الشعبي القائل "اليد التي لا تقدر على كسرها، قبلها وادعُ عليها بالكسر"، فما بالنا بالأخبار الواردة من مناطق الحاضنة الشعبية للنظام، والتي تتحدث عن استدعاء أحد الضباط برتبة لواء إلى فرع تحقيق الضباط بدمشق للتحقيق معه، على نحو فظ، في مساعدة ابنه في التهرب من تأدية خدمة العلم؟! أضف إلى ذلك الأخبار التي تتحدث عن قيام النظام بتعميم أسماء آلاف الشباب لخدمة الاحتياط في كل من اللاذقية وطرطوس، مما أثار موجة من الفزع أدت بهم لعدم التردد على الشوارع والمحلات التي كانوا يعملون فيها أو يرتادونها، لأنهم لم يعودوا راغبين في العيش في مواجهة مصيرية مع الموت، الذي أخذ يتسرب إليهم عبرعدم الثقة المتزايدة بكفائة التجهيزات القتالية المتاحة في جيش الأسد، كما في سوء ثقتهم بمقدرات الضباط المكلفين بإدارة المعارك، الذين أمضوا جل أعمارهم في التخطيط لنهب الجنود، ناهيك عن نقص الطعام وسوء نوعيته وعدم تحمسهم لقيمة المردود المادي، الذي يحصلون عليه في ظل ظروف التضخم النقدي واستئثار الضباط بعائدية التعفيش لصالحهم.

جيش نظام الأسد جيش سلطاني، مشحون بفكرة حماية سلطة ولي نعمته من السقوط والزوال، مقابل السماح له بالنهب

يعكس إصرار الدروزعلى حماية قرار أبنائهم لجهة عدم الالتحاق بالخدمة الإلزامية أو الاحتياطية في جيش النطام، إلا بعد أن تضع الحرب الذي يقودها الأسد ضد السوريين المنادين بالحرية أوزارها؛ فهمًا عميقًا لطبيعة الجيش الأسدي اللاوطني، الأمر الذي دفع بهم لمواجهته عبر تبنيهم لحق الاستنكاف الضميري، الذي يضمن للفرد حق الامتناع عن التحاقه بجيش الأسد ما دام جيشًا تسمح عقيدته القتالية بقتل سوريين آخرين يطالبون بحقوقهم السياسية.

اقرأ/ي أيضًا: مقتل عصام زهر الدين.. متناقضات رواية النظام السوري

يتساءل المرء عن الأسباب التي تقف وراء إصرار النظام على إجبار الشباب السوري على أداء خدمة العلم لمدة عامين، كما إصراره على تضخيم أعداد جيشه المجهز على نحو سيئ، في حين تميل معظم الدول للاكتفاء بجيش صغير من المتطوعين المحترفين المزودين بالتجهيزات القتالية الحديثة، ليكتشف أن الأسد لا يحتفظ بجيش كبير من أجل محاربة إسرائيل كما يدعي، أو كمطفأ حرائق كما فعل ذات يوم في لبنان الذي قام باحتلالها، وإنما لأن جيش الأسد مكلف بمهمة يتيمة تتمثل بالحفاظ على سلطته، الأمر الذي يجعل منه جيشًا سلطانيًا مشحونًا بفكرة حماية سلطة ولي نعمته من السقوط والزوال، مقابل حرص ذلك الولي على تقاسم مغانم سلطته معه، فالجيش في العرف الأسدي ليس مدخلًا للجاه الاجتماعي وحسب، بل مدخلًا للرفاه المادي، الذي لا يحصل عليه الضابط الأسدي من خلال نهب ما تيسر له من المستلزمات المتاحة أمامه، وإنما من خلال أعمال السخرة التي يكلف بها المجندين الذين هم في عهدته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أساطير العسكري السوري.. جنس وحب وقوة

يوميات المقاتل السوري بعد الثورة