17-نوفمبر-2021

أنطوان آرتو (1896 - 1948)

كيف ندخل عالم الموت الضحّاك، وأية أصابع تتجرأ على أن تطوف بحاستها وجهَ أوديب المُنمَّش باللعنة، التي جعلت من زهرة الشعرِ مسواكًا بفم الموت في مصحة الجنون التي رأى فيها اتساع ذلك الرحم الأبديّ؟

هذا الهائل هو شبحٌ يُدعى أنطوان آرتو، طفل القرائن المرعبة على خشبة الإله المتمثلة بالجسد المطرود من نعيم اللّذة، هناك في أقاصي جسده حضر الإله ليشاهد ذلك العرض الوثني لملائكة تُحصي لعناتها بتذكّر احتمال موت الرب، ناسجةً من ظلال الغيب ثوبًا للجنون القادم العابر لليل المصحات ونكات العقاقير وهي تتلوى في ممشى الأعصاب منفردةً بذلك الصوت الخالص المنبعث من شريعة موتهِ، وهو يتحدث إلى نفسه عن موضع الذئب في الجسد الأخير النائم بين جفنيه. إنه آرتو: أوديب السريالية وسيد لعنتها المفضوحة، ومدوّن سيرة تعاليمها الحجرية بنظرهِ الثاقب والدافع بالحواس نحو أفق خالٍ من أثيرٍ طوطمي. وأوديب ليس حالة رغبة ودوافع، إنه فكرة بحسب دلوز، هناك في تلك المدينة المجهولة شيد معبد القرين فاستمع إلى صوته الخاص المتوحد مع رغبة الله في الاستماع إلى نفسه.

شعر آرتو لا يُقرأ بمعزل عن سماع صوته، بمعنى أن عالمه الشعري هو تدوين لرنّة الوجود في الجسد

وكم هي التلويحات المنطلقة من عالمه إلى مجاهل الأدب، والفنّ، والفلسفة، بجميع عبقرياتها، فما أن نفتح مؤلَّفا إلا ووجدنا آرتو متربعًا على عروش أفكارهم، واللافت للنظر أنه على الرغم من إصرار الحياة على ثني عزيمته ومحو أثره بالسفر بين المصحات والحشيش، إلا أنّه أكد وبجدارة متناهية على مقدرة التنكيل بجثة غرورها. فمن قرأ جسده الشعري بمخيال الراغب وجد أن كتابته صفيُر صراصير في مجاري مدينة مهجورة. يتطابق هذا وقولَ دريدا في أحد حواراته بأن شعر آرتو لا يُقرأ بمعزل عن سماع صوته، بمعنى أن عالمه الشعري هو تدوين لرنّة الوجود في الجسد، فالشعر لديه عبور من الجسد إلى الجسد، أي من الموت إلى تخيّله، محدثًا بذلك جلبة وصريرًا في المداومة على فتح باب اللعنة وغلقه ثم فتحه من جديد وهكذا يمضي نحو اللاقول.

اقرأ/ي أيضًا: إيتيل عدنان.. سفرٌ متواصل بين اللون والكلمة

هذه الإشارات ومثيلاتها تؤكد مزاعم دولوز بأن آرتو هو الأنموذج الخالص لأوديب المضاد، فكما نَبّهنا صاحب أوديب مضادًا أن "أوديب هو فعلًا أدبي قبل أن يكون تحليليًا نفسيًا، سيكون ثمة دائمًا بروتون ضدّ آرتو"، وأن لعنته هي استنفار داخلي ضد الاجماع، ما أدى به إلى أن يغدو شجرة ملعونة في غابات الليل، فكم بغضته أشجارها ليس لشيء سوى أنه أثار الشكوك حول حقيقة خصوبة تربة بريتون الآلية فيرى بأن "الكتابة قذرة كلها، وقذرون هم اولئك الذين يغامرون في تدوين كل ما يمر في أذهانهم على وفق عبارات دقيقة رصينة"، فكُتبت ضده البيانات، وشُتِمَ في القصائد والتظاهرات الأدبية والفنية، فحدث معه ما حدث مع معلمه فان غوغ، فقد سيقت بحقه الكثير من التهم وآخرها بأن آرتو لا يؤخذ برأيه لأنه مجنون. لكن أيُّ جنون هذا النازح من رأس الكون إلى جمجمة الجحيم المأهولة بشراسة اللهب في مجابهة المشاع الإبداعي.

ولا يفوتنا أن نشير أنه في كتاب "منتحر المجتمع" ردّ على هذه التجنيات بأن "الذي خرج عن السياق الطبيعي ليس هو الإنسان بل العالم"، كذلك يرى أن فان غوغ مات منتحرًا لأن جوقة الوعي الكامل لم يعد في استطاعتها أن تتحمله، بهذا يدحض تقولات الآخرين بأن الجنون هو مزحة حياتية كما حدث للملك لير. أما اهتمامه بفان غوغ فمتأتٍ من انسجام باطني وفكري في آن، فالرسم بالنسبة له ليس فقط تمثيل شيء مع مميزات، ولكن أيضًا لإخضاع اللسان نفسه لنوع من الزلازل بحسب دريدا، إذًا في "منتحر المجتمع" لم يكن يتبنى الدفاع عن كائن تم سحقه وانتهى به الأمر إلى المصحات ثم الموت منتحرًا، إنما أراد من وراء تأليفه للكتاب أن يقول بأنه قد انتحر بعد أن وصل لقناعة أبدية أن "الفنان الذي لم يصغ إلى قلب الإنسان، الفنان الذي يجهل أنه كبش المحرقة، أن واجبه أن يجذب كالمغناطيس، أن يستميل، أن يُسقط على كتفه غضب الزمان الشارد ليحرّره من الشعور بالضيق النفسيّ، من لا يكون كذلك ليس فنّانًا".

كتاب آرتو عن فان غوغ ليس كتابًا بل عاصفة تتحفّز في كتاب يحركها الألم وما هو أبعد من الألم. ولا شيء أصعب في الأدب من ممارسة الألم

وكما ينوه مترجم الكتاب الشاعر عيسى مخلوف في مقدمته بأن كتاب آرتو عن فان غوغ ليس كتابًا بل عاصفة تتحفّز في كتاب يحركها الألم وما هو أبعد من الألم. ولا شيء أصعب في الأدب من ممارسة الألم بحسب الروائي الأمريكي هوبير سيلبي الذي كتب جل مؤلفاته تحت هيمنة وجموح الكحول والمخدرات، وتلامس حياته وعالم آرتو الأدبي والفني، حيث كان يعتقد بأن نفور الناس من مسرحه مبرّره الخوف من رؤية حقيقتهم، ويقارب هذا قول سيبلي "أخافت كتبي الناس لأنهم وجدوا فيها جثثهم"، فإن أمعنا النظر في هذه الملامسات نخلص إلى أن جمجمة آرتو سديم في سماء المخيالات الضالة، أو هي قفصُ حبس فيه دماغ راسكولنيكوف الراصد لفكرة الجحيم الكوني، ذاك الذي يتحاشى الإنسان التعرّف عليه "لأن لا مجاعة ولا وباء ولا زلزال و لا حرب ولا شيء يقلب جوهر الهواء ويقصف وجه القدر الغاضب الجامح والمصير العُصابيّ للأشياء كلوحة لفان غوغ".

اقرأ/ي أيضًا: من وحي مارغريت دوراس

عند التفتيش بتدبر وامعان في دواليب حياة آرتو ندرك بأن الجنون عقل شبق، هو كما الموت حياة شبقة، سرٌّ في أطراف الوجه النابت في مرايا العدم، ينتثرُ في ريح الليل كي يؤمّن العبور لنهارِ مجهول بسيولة سريان الصعقة في جسد الكون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قذارة، قمامة، نفايات، أدب!

النصوص من كواليسها