نَسَب أديب حسين.. نحو الكتابة اللاتجنيسية

نَسَب أديب حسين.. نحو الكتابة اللاتجنيسية

نَسَب أديب حسين

بعد اشتغال جماليٍّ على الكتابة الأدبية في إطار النَّوع السَّردي روايةً "الحياة الصاخبة" (2005)، وقصةً "مراوغة الجدران" (2009) و"أوراق مطر مسافر" (2013)، ثم يومياتٍ "أسرار أبقتها القدس معي" (2016)، تنزاح الكاتبة الفلسطينية نَسَب أديب حسين نحو الكتابة اللاتجنيسية، أي الكتابة في غياب النَّوع الأدبي من خلال عملها الجديد: "هواجس الماء.. أمنيات الزَّبد" (الأهلية، عمان 2017)؛ فالعمل الجديد يمارس كينونته الفنية على الحدِّ رافضًا الانتماء الأجناسي، فهو يتحرَّك بين حدود الشّعر والسَّرد، وفي الوقت ذاته لا هو بالشِّعر ولا بالسَّرد، وإنما يكتسب هويته النوعية ضمن ما يدعى "الكتابة المفتوحة"، التي تتيح للعمل الأدبي التحرك بحرية بين الأنواع الأدبية. هذه الحرية من قيود "النوع" تسمح للكاتب/ الكاتبة بممارسة التجريب الأدبي بجسارةٍ للمضي قُدُمًا في مناطق غير مأهولة من التّجربة واللغة. هكذا يجد القارىء نفسه مع كتابةٍ تسكن فضاء "البين - بين". 

الحرية من قيود "النوع" تسمح للكاتب بممارسة التجريب الأدبي بجسارةٍ 

شعرية العنوان

إن الهروب من الانتماء النَّوعي على صعيد الكتابة لدى نَسَب أديب حسين يتبدَّى على نحو جليِّ على غلاف الكتاب الذي يخلو من علامة التجنيس (شعر، رواية، قصة،...إلخ)؛ هذا الغياب أو التغييب المتقصد للعلامة الدَّالة على النوع الأدبي تُربك القارئ من حيث نزوع النَّوع الأدبي إلى فرض طرائق محددة في عملية التلقي، وفي الوقت نفسه تتيح له - للقارىء حرية القراءة النَّقدية. ومهما يكن؛ فالعنوان المُثبت على الغلاف يؤسّس وجوده السِّيميائي في الإطار الشِّعري؛ فثمة تقليدٌ بات راسخًا في الكتابة الشِّعرية ينحو نحو هذا الشَّكل من خطاب العَناوين. 

اقرأ/ي أيضًا: "خمارة جبرا": لماذا لا تسقط النجوم؟

وعلاوةً على ذلك؛ فخطاب العنوان هنا يمتاز بالانزياح الشِّعري الذي يمنحه الطَّاقة الدِّلالية على الهروب من "الوضوح" إلى حَافَاتِ الغُمُوض مما يطرح نفسه بوصفه عتبةً استراتيجية لفهم العمل الأدبي، لا بدَّ عندئذٍ أن يؤخذ بالحسبان في عملية فهم النَّص وتأويله، الأمر الذي يحتّم علينا مطاردة علاماته وتفكيك شفراته الدلالية. يمكننا بهذا الصَّدد أن نقرأ البُنية النَّحوية التي يَتَوَطَّنُ فيها العُنوانُ بتقدير المبتدأ المحذوف استفهامًا: "ما أو أين" على سبيل المثال؛ ليغدو العُنوان برسم السُّؤال: "ما/أين هواجس الماء ..ما/أين أمنيات الزَّبد؟"، وهذا السُّؤال الذي يتضمنه العنوان بالقوة سرعان ما يدفع القارئ إلى البحث عن الإجابة، بيد أنَّ هذه الإجابة تلوذ بتضاريس المتن النَّصيِّ. ويكون العنوان بهذا المستوى من مستوياته المتعددة قد أوقع القارىء في شَرَك القراءة!

لكنَّ وظائف العنوان لا تتوقف على إغواء القارىء؛ فالعنوان الأدبي يفرُّ من التَّحديد والتَّعيين إلى الإرجاء الدِّلالي؛ فمن الناحية المعجمية/ الدلالية يتأسس هذا العنوان في كتاب نَسَب أديب حسين وفق تناظر بين أربع علاماتٍ متعالقة، حيث تنتمي العلامتان (هواجس، أمنيات) إلى الكائن الإنساني كترميز سيميائي إلى حالات شعورية ("فالهواجس جمع هاجس وهو الخاطر وما يخطر من أفكار أو صور ببال الإنسان نتيجة قلق أو حيرة أو تخوّف من شيء ما") و("الأمنيات جمع أمنية وهي البُغية والمطلب والرغبة المرجوّة، وما يتمناه الإنسان ويشتهي"). أما العلامتان الأخريان (الماء، الزَّبد)، فتندرجان ضمن علاقة التضمُّن والاشتمال بينهما؛ فالزَّبد ناتجُ عن حركة الماء أو غليانها. هذا التَّحليل المعجمي سوف يقودنا دون شكِّ إلى البعد الرَّمزي للعنوان، إذ يتخذ العنوان من الاستعارة الاستبدالية تقنيةً لبناء علامةٍ سيميائية مشفّرة. وبناء على ذلك تَتَبَنْيَنُ الاستعارة هنا باستبدال الماء بالكائن الإنساني (العنصر المتروك هنا)؛ كما لو أنَّ عنوان الكتاب ما هو إلا انزياح عن تركيب افتراضي: "هواجس الإنسان وأمنياته"، وبذلك ليس المتن النَّصي إلا هذه الهواجس والأمنيات الممددة على فضاء البياض.

إنَّ العنوان إذ يوضع ليس بهدف اجتذاب القارئ للنَّص، وإنما يتوفّر على أخطر وظيفةٍ "بنيو ــ سيميائية" من حيث أدائه للوظيفة الإحالية، والدفع بالقارئ إلى داخل دهاليز النَّص وتشعباته لاستنطاق العلاقة التفاعلية/ التناصية بين العنوان والنَّص. فالعنوان الرئيسي ينطوي على ثيمتي: التأمل(=هواجس الماء) والأمنية(=أمنيات الزّبد)، ففي حين تدلُّ الهواجس على المناجاة والتهامس والتصورات والإحاسيس تحت وطأة الحيرة والخوف والتسآل، فإن الأمنيات كما جرت الإشارة تدلُّ على الرَّغبة والتَّمني والتَّرجي، أي مالم يستطع تحقيقه، فيغدو الكائن نهبًا للتخيلات المستحيلة (لاتُبلغُ الغاياتُ بالأماني). هذه الدلالات تنتشر في خطاب العناوين الداخلية في كتاب نَسَب أديب حسين بكثافة من حيث دلالةُ بعض هذه العناوين على الهواجس بوصفها تنطوي على أسئلة مقرونة بالحيرة والقلق: (هوى بحري، بعض وطن..بعض عشق وألم، كأن تغيب سميح القاسم، حيفا ذات صيف ــ عيون موصدة، نهر يبحر في دمي) أو على أمنيات الزّبد بوصفها اشتهاءات ليس أكثر (عيناك أم وجه السراب، كهذا التيه أو أكثر). وبذلك يتبين لنا أن العنوان ــ كعلامة أولى ــ لا يُرمى اعتباطاً على غلاف الكتب الأدبية بقدر ما يمثِّل النواة الأساسية التي تعتصر النَّص في ذاتها؛ لتؤدي من ثمَّ وظيفة بنائية من حيث تماسك النص وانسجامه على الصعيدين الشكلي والدلالي.

إنَّ العنوان إذ يوضع ليس بهدف اجتذاب القارئ للنَّص، وإنما يتوفّر على أخطر وظيفةٍ "بنيو ــ سيميائية"

اقرأ/ي أيضًا: رشيد الضعيف.. متاهة الذكرى والخيال

جماليات المكان
من الثيمات التي تؤدي دورًا متعاظمًا في نصوص كتاب نَسَب أديب حسين تنهض ثيمة المكان بدور مركزي في تشكيل جماليات النِّص وبَنْيَنَتِهَا؛ ليغدو المكان ماثلًا بقوة في الخطاب النّصي، فلو ألقينا نظرةَ سريعة على فهرس المحتويات في كتاب نَسَب أديب حسين لوجدنا تجليات المكان تبرز بوضوح: "البحر، بحر عكا، سوق أفتيموس، بوابات قلنديا، باب قرطبة، حيفا، نهر،...إلخ". هذا الحضور  للمكان يُغري القارئ بمطاردة علاماته سيميائيًا، ولا سيما "المكان - البحر"، هذا المكان الذي يطلُّ على الحرية وفق الكاتبة، ويحوز على القدرة الخلاقة على إنتاج الفكر وتوليده وإثارة الخيال، ليس ذلك فحسب وإنما يجذّر الكائن الإنساني بالعالم؛ فيغدو جزءًا منه: "أريدُ أن أنصب خيمة عند البحر/لأكتبَ فيها أسطورتي ولا يجادلني بها أحد./ أريد أن أعيش كما أريد، وأكون كما أريد أن أكون، فعند البحر تداعب الأمواج الأفكار وينير القمر بساط الروح./ أريد أن أفترش همومي عند الشاطئ، فكلما أتى الموج حمل همًّا وبه رحل" (ص 7). 

هنا تستعيد الكاتبة نَسَب أديب حسين البعد الرومانسي للبحر من حيث كونه المكان- الخلاص؛ لذلك تترى المفردات المعجمية؛ لتشكّل فضاء رومانسيًا بامتياز: "أسطورة، الأمواج، القمر، همومي، حل، الليل العميق، النور، العشق الأصيل، الأفق البعيد، بعيدًا عن ظلام وضجيج، السلام ورقة بيضاء... إلخ. وهذه كلها مفردات تشكل الحقل الدلالي للبحر، وتقذف بنا إلى فضاءات الكتابات الرومانسية حيث البحث عن النقاء والبراءة والعشق. 

وفي قصيدة "إلى حمامة في سوق أفتيموس"، تقرأ الكاتبة نَسَب أديب حسين بمنحى جماليِّ العلاقة بين المكان والزمن والكائن (حمامة)، هكذا تغدو الحمامة مرآة لليل المدينة وصباحها وقرميدها ونافورتها وأسواقها؛ ليدرك المرء: "كم جميلة أنتِ وكم ساحرة المدينة؟! (ص 19)، فالسِّحر، سحر المدينة مشروط بجمال الحمام وحضوره، والجمال لا يحضر إلا بسحر المدينة. هكذا هي العلاقة بين المكان والكائن؛ فالمكان بكائنه والكائن امتداد للمكان يتبادلان السحر والجمال. ترصد الكاتبة نَسَب أديب حسين من خلال طيران الحمام ونزوله كينونة المكان وجمالياته والعلاقة السِّرية بين الكائن والمكان: "أجنحةٌ تحطُّ وأجنحةٌ تشرع مرة بعد أخرى من جديد، من قبة القيامة فبرج الفادهِ إلى مئذنة عمر فساعة برج سان فيور، إلى القبة الصفراء البعيدة القريبة.. تلفين على جبل الزيتون سلامًا ويكون العود إلى أهازيج الماء في سوق أفتيموس" (ص 20).

على أنَّ جماليات المكان تنتقل إلى انعطافةٍ أكثر إرهافًا في النَّص الأخير من الكتاب: "نهرٌ يبحر في دمي"، نصُّ مكانيٌّ يؤرّخ لعلاقة غائرة بين الكائن والمكان، فهذا الكائن المكانيُّ ليس طارئًا بقدر "ما يجري في الدم"، فهو نهر الأنا، نهر السَّاردة/ الرَّاوية في النَّص حيث العلاقة السّرية والبعيدة التي تربطهما، وحيث حضور الأم والأب. يبدأ النّص بالإشارة إلى "المدينة" التي كادت أن تكون مدينة الساردة "لولا نفض القدر كفَّه وغيّر خطاه"، ثم سرعان ما يتبدى لنا مشهد طبيعي يحضن النهر بطريقة الرؤية من علٍ أو نظرة "عين الطائر": "تظهر المدينة الموزَّعة على التلال، يظهر الجسر، ثم يطلُّ الجبل والقلعة، وأراه.. هو النَّهر مستلق قربها، بين التلال والجبل" (ص 119)، هكذا يستحوذ "النهر - العاشق" على عشيقته؛ فتبدأ الذكريات بالاستيقاظ: "وأسير على همس الطرقات، لأبحث عن النَّهر. حين يلوح وجهه مقابلي.. أغذُّ الخطوات.. أسرع، أركض، وأتوقف لأتأمل الضّفة الأخرى.. النَّهر ارتدى خضرة الأشجار.. أسير قربه بمحاذاة ظلها وظلي، حين كانت أمي تأتي بي هنا عند العصر" (ص 122)، فالنهر جزء لا يتجزأ من كينونة الساردة، بل إن ما هي عليه أبدعه هذا النهر فيها: "وكلما أرادت ممازحتي قالت (الأم) إنَّ النهر همس في صدري عند الطفولة، وهكذا صرت كاتبة.. وكل مساحات التأمّل في عينيَّ زرعها النهر حين كانت تأخذني ساعات العصر إليه.. وربما تلك الموسيقى المهفهفة في روحي ليست سوى صدى شلالات تتساقط عند مدخل المدينة" (ص 122). 

تقارب نصوص نَسَب أديب حسين جماليات الطفولة والمكان 

سينفتح النَّص على عالم الطفولة التي قضته السادرة على ضفافه، وينبثق حوار شاعري بين الطفلة وأبيها: "لماذا تخلّى النَّهر عنّي.. يا أبي؟" (ص139)، ومن خلال هذا الحوار سنكتشف أن المدينة هي "شافهوزن" السويسرية والنهر هو "الرين"، النهر العاشق الذي أبى أن يتخلى عن العاشقة: "وحين حان موعد الغياب (...) قام من مجراه.. تمدّد في جسدي/ غابت كلُّ الأصوات/ لم أسمع إلا صداه/ حين همس في قلبي/"حبيبتي أنتِ". فالقارئ إزاء انصهار تام بين الكائن والمكان؛ ليغدو النهر العاشق والرَّاوية جسدًا واحدًا، امتدادًا واحدًا.

اقرأ/ي أيضًا: عبد الفتاح كيليطو.. جاحظ يكمل الغناء

وأخيرًا؛ لابدَّ من الإشارة إلى أن لغة النَّصوص المبثوثة في الكتابة تشي بهيمنة للمعجم الرومانسي بشكل واضح، مع الاعتماد على عناصر الطبيعة بصياغة الصور والطيات الجمالية هنا وهناك بعيد عن التجريد والإحجام على المضي باللغة إلى مناطق غير مأهولة في التجربة. علاوة على أنَّ هذه الهيمنة للبعد الرومانسي لا تعفي الكاتبة نَسَب أديب حسين من الاستطراد البنائي في النصوص؛ إذا تتناءى النَّصوص عن الكثافات الدلالية؛ نظرًا لغياب الاقتصاد النّصي في استعمال العلامات اللغوية، ولذلك تفتقد بعض النُّصوص إلى التوتر والتكثيف الدلاليين؛ حيث يمكن في رأيي إعادة صياغة بعض النُّصوص لحساب الانضغاط الدلالي والنأي كذلك عن الرومانسية المفرطة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نجاة عبد الصمد: لا ماء يروي الجنوب

تعرف على 5 من كلاسيكيات الرواية العربية