نَخب التّوحّش
2 ابريل 2026
بعد دقائق من تصويت الكنيست على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيّين، صرّح رئيس لجنة الأمن القوميّ عن حزب عوتسما يهوديت، تسفيكا فوغل، بأنّه "ليس متعطّشا للدّماء"، مضيفًا أنّه "هذا هو اليوم الّذي اختارت فيه إسرائيل الحياة". وتابع: "هذا مثال على الأخلاق اليهوديّة الحقيقيّة". وأحمد الله على أنّ العبارة الأخيرة وردت على لسان فوغل، لكي لا أقع تحت طائلة أحد القوانين الّتي تُجرّم معاداة السّامية، إذ بات مُعظمها يشمل مجرّد توجيه النّقد لإسرائيل.
وتتقاطع تصريحات فوغل العبثيّة مع المشهد السّرياليّ الّذي يظهر فيه وزير الأمن القومي الإسرائيليّ، إيتمار بن غفير، وهو يرقص بالشامبانيا ويصبّها في كؤوس عدد من النّوابّ، احتفالًا بالقرار المشين. ولا يمكن أن يكتمل المشهد دون تلك الضّحكة السّمجة الّتي أطلقتها نائب رئيس الكنيست، ليمور سون هار ميلخ، وهي تتلو "الشّيخهيانو"، وهو دعاء يهوديّ تقليديّ للحمد والشّكر يعني حرفيّا "الّذي أبقانا أحياء وبلّغنا هذه اللّحظة".
ومباشرة بعد إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيّين، دان وزراء خارجيّة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، في بيان مشترك، الخطوة. لكنّ اللّافت في نصّهم أنّهم اعتبروا "اعتماد هذا المشروع من شأنه أن يهدّد التزامات إسرائيل تُجاه المبادئ الدّيمقراطيّة"، أي أنّهم ما زالوا يُصنّفون إسرائيل في خانة الدّول الدّيمقراطيّة، في الوقت الّذي تُواصل فيه حكومة بنيامين نتنياهو إبادتها الجماعيّة في قطاع غزّة وتشنّ حملة تطهير عرقيّ في الضّفة الغربيّة وتُغلق أكثر دور العبادة قداسة للمسلمين والمسيحيّين، ناهيك عن احتلالها لأجزاء داخل الأراضي اللّبنانيّة والسّوريّة، ومشاركتها أمريكا في حربها على إيران.
سواء ذهبت إسرائيل إلى حدّ تنفيذ حكم الإعدام بحقّ المعتقلين الفلسطينيّين، فإنّ وضع المعتقلات في حدّ ذاته قاس لأبعد الحدود
حتّى رئيس الوزراء الإسبانيّ، بيدرو سانتشيز، الخارج عن السّرب الغربيّ في دعمه إسرائيل، وصف القانون المخزي بالـ"خطوة نحو الفصل العنصريّ"، والحال أنّ فلسطين تعيش بالفعل تحت نظام ميز عنصريّ، منذ عقود. وكانت منظّمة العفو الدّولية قد انتهت، في تقرير نشرته عام 2022 قالت إنّ إعداده استغرق نحو أربع سنوات، إلى أنّ "التّمييز يجري بصفة منهجيّة ومؤسّساتيّة على أعلى المستويات، من خلال القوانين والسّياسات والممارسات، وكلّ هذا من أجل منع الفلسطينيّين من المطالبة والتّمتّع بحقوق متساوية مع اليهود الإسرائيليّين".
ولا يُمكن تصنيف نظام سياسيّ تسنّ فيه حكوماته قانونًا للبعض وآخر للبقيّة الباقية سوى أنّه نظام ميز عنصريّ.
ويرى متفائلون من معلّقين ومغرّدين وحقوقيّين عرب أنّ القانون لن يُطبّق بأثر رجعيّ على المعتقلين الحاليّين، وعددهم تجاوز 9300 فلسطينيّا. لكن، من يضمن ذلك؟ فلا عهد لأيّ حكومة إسرائيليّة، فما بالك بحكومة التّوحّش الحالية.
وسواء ذهبت إسرائيل إلى حدّ تنفيذ حكم الإعدام بحقّ المعتقلين الفلسطينيّين، فإنّ وضع المعتقلات في حدّ ذاته قاس لأبعد الحدود. وذكر موقع "يسرائيل زمان"، في شباط/فبراير الماضي، أنّ 115 أسيرًا من قطاع غزّة والضّفّة الغربيّة والقدس استشهدوا خلال اعتقالهم في سجون الاحتلال، بين عامي 2023 و2025، بينما استشهد 52 آخرون أثناء احتجازهم لدى الجيش الإسرائيليّ.
وتأتي هذه الأرقام المفزعة في الوقت الّذي تُحذّر فيه المقرّرة الأمميّة المستقلّة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينيّة المحتلّة، فرانشيسكا ألبانيز، من أنّ نظام السّجون الإسرائيليّ انحدر ليُصبح مختبرًا للقسوة المحسوبة"، موضحةً أنّ "ما كان يحدث في الخفاء، أصبح يُمارس، الآن، في العلن: نظام من الإذلال والألم والإهانة بشكل منظّم، بموافقة أعلى المستويات السّياسيّة". وخلُصت ألبانيز إلى أنّ "الاستخدام المنهجّي للتّعذيب - إلى جانب حملة التّدمير الأوسع نطاقًا ضدّ الفلسطينيّين - يشكّل جزءًا لا يتجزّأ من الإبادة الجماعيّة المستمرّة ويُلحق ضررًا جسديًّا ونفسيًّا شديدًا بالفلسطينيًين كجماعة".
وحتّى المُفرَج عنهم من الأسرى يُواجهون مصاعب جمّة، انطلاقًا من إمكانيّة إعادة اعتقالهم أو إبعادهم أو إخضاعهم لآلية الإفراج المشروط بإلزامهم بعدم العودة إلى النّشاط السّياسيّ.
تدهور الوضع الحقوقيّ في المعتقلات الإسرائيليّة ليس بمعزل عن انهيار المنظومة القضائيّة، حين يتعلّق الأمر بالنّظر في ملفّ موقوف فلسطينيّ، خاصّة خلال العقدين الأخيرين من الزّمن. ففي دراسة نشرها سنة 2020، كشف الباحث الإيطاليّ، لويدجي دانيلّي، أنّ نسبة إدانة الفلسطينيّين في المحاكم العسكريّة الإسرائيليّة تتجاوز 99 %، مقابل أقلّ من 2 % في قضايا اعتداءات المستوطنين الإسرائيليّين. ويلفت دانيلّي الانتباه إلى أنّ القانون المدنيّ الإسرائيليّ يعتبر قاصرًا كلّ شخص دون سنّ الثّامنة عشرة، بينما يسمح التّشريع العسكريّ بإيقاف الأطفال الفلسطينّيين واحتجازهم واستجوابهم.
كلّ ذلك ليس بمعزل عن سياق أعمّ يتمثّل في حالة واسعة في المجتمع الإسرائيليّ لا ترى الفلسطينيّ إلّا ضمن طائفة ما دون البشر. ولعلّ أبرز مثال على ذلك احتفاء العشرات، في تشرين الثّاني/نوفمبر الماضي، بمحكمة العدل العليا، بجنود اغتصبوا أسيرًا فلسطينيّا بسجن "سديه تيمان" دمويّ الصّيت. وقبلها بأشهر، اقتحم المئات السّجن ذاته، تضامنًا من الجنود أنفسهم.
ودُفعت المدّعيّة العسكريّة العامّة، يفعات تومر يروشالمي، حينها إلى الاستقالة من منصبها، بعد اعترافها بتسريب تسجيل سرّيّ للإعلام كشف تلك الجريمة البشعة.
ولا أرى أبلغ من تعليق أبي سمير، صاحب اليوميّات الشّهير الّتي قلبت مأساة غزّة إلى مصدر عميق لكوميديا سوداء، على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيّين، إذ كتب يقول: "يوم أسود حزين على شعبنا".
لا شكّ في أنّ الفلسطينيّين، سواء كانوا وراء القضبان أو أمامها، باتوا يعيشون في سجن كبير، أكثر من أيّ وقت مضى، أمام تعاظم إفلات المسؤولين الإسرائيليّين من العقاب وغياب أيّ أفق حتّى لانفراجة بسيطة.