ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"نيون".. وضوء الأمل الزائف

14 مايو 2026
 توم كوين
مؤسس شركة "نيون" توم كوين (Getty)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

في عام 2019، وقف المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون هو على منصة الأوسكار حاملًا جائزة أفضل فيلم، ليُسجَّل اسم "باراسايت" (Parasite) في التاريخ الأوسكاري كأول فيلم غير ناطق بالإنجليزية يفوز بهذه الجائزة.

وبينما يتصاعد التصفيق، كانت ثمة شركة توزيع صغيرة تجلس في الظل وتفكر في الاتجاه، لا المعاكس، بل في المستقبل، كانت تنظر إلى ما بعد النجاح، كيف تحصد المجد دون التلوث بدماء المعركة، والخوض في جحيم التخطيط والتنفيذ وتحدي الخيال، ومن ثم الخروج بالعدة إلى مقارعة وحش بألف رأس لا اسم له، سوى الجمهور. منذ تلك اللحظة الاستثنائية، و"نيون" (NEON) اسم يتردد في كل حديث عن السينما، عن مستقبل السينما المستقلة تحديدًا، وكأنها الفارس المغوار، الذي ترك دفء أمواله، وأتى على حصان المغامرة لكسر احتكار الغولة الشريرة، استديوهات هوليود العملاقة. لكن هل هذا ما حدث فعلاً؟

أرقام لا تكذب.. لكن تتجمل

في سنوات تعد على الأصابع، لطالما ردت "نيون" على نقادها بحفنة أرقام، بحيث كما نعلم، لم تكذب الأرقام مرة، وهي هنا تبدو مقنعة لولا قليل من التدقيق. حيث لطالما قدّمت نيون في تاريخها ست سعفات ذهبية متتالية حصدتها من مهرجان "كان السينمائي"، وهو رقم لم تحققه أي شركة في تاريخ المهرجان، ثم ليتم الإبهار، حصدت تسعة وثلاثون ترشيحًا للأوسكار وأحد عشر فوزًا. أكثر من 400 مليون دولار في شبابيك التذاكر، والسنة، في بيتها المفضل، في "كان 2026"، تحضر نيون بتسعة أفلام في المسابقة الرسمية، أي ما يزيد على ربع أفلام المسابقة الرسمية. بينما تتوارى الاستديوهات الكبرى، إما لامبالاة، أو حردًا، بينما كحل "مثالي" تملأ "نيون" الفراغ وكأنها البديل الطبيعي والحتمي.

قدّمت نيون في تاريخها ست سعفات ذهبية متتالية حصدتها من مهرجان "كان السينمائي"، وهو رقم لم تحققه أي شركة في تاريخ المهرجا

هكذا، بمباشرة ودون تشذيب، أو بلاغة، ها هو مؤسس الشركة توم كوين يصوغ حكاية "نيون" بثقة: "ليس هناك من سر، فنحن نسعى وراء المخرجين والأفلام التي نريد أن نكون جزءًا منها". مصرحًا باقتضاب وبنبالة فارس. لكن هل هذه هي الحقيقة، بالأحرى، أهي الحقيقة كلها؟

من هي "نيون" حقاً؟

بعيدًا عن الرومنسية، وحكايات الجدات في الليالي الباردة قرب المدفأة، تأسست "نيون" عام 2017 على يد توم كوين وتيم ليغ، وهو المؤسس لسلسلة سينما (Alamo Drafthouse). وهي شركة صغيرة نسبيًا، فيها 60 موظفًا فقط، لكنها تتصرف بخفة، وفتوة وشباب، وبجرأة بالطبع تؤهلها بألا تثقل بحجر البيروقراطية المعلق بجسد "الاستديوهات الكبرى". في عام 2018، بيعت حصة الأغلبية في الشركة إلى (30West)، الذراع الإعلامية لمجموعة "فريدكين". ومع ذلك، لم تكن سوى شركة ناشئة، تملك، كغيرها من الشركات، مديري رأس مال ومصالح تجارية، بينما لم يكن نشاطها الجوهري، وهنا النقطة الأهم، إنتاج الأفلام، بل توزيعها.

عمليًا، تتجه "نيون" إلى المهرجانات، تشاهد أفلامًا أُنجزت بجهود شركات أخرى، ثم تشتري حقوق توزيعها في الولايات المتحدة، قبل أن تبني حولها ماكينة تسويق ضخمة وحملات أوسكارية مؤثرة.

حدث ذلك مع "باراسايت"، الفيلم الكوري تمويلًا وروحًا، كما تكرر مع الفيلم الفرنسي "تشريح سقوط" وفيلم "مثلث التعاسة"، وهو إنتاج أوروبي مشترك.

في جميع هذه الحالات، لم تستثمر "نيون" في الإنتاج، لكنها بنت منجزها على ربط اسمها بهذه الأعمال وتقديمها إلى الجمهور الأميركي والعالمي.

عن أسطورة الحرية الإبداعية

في الأوساط الإعلامية، تُروَّج لـ"نيون" صورة الحارس النبيل الذي يحمي الفيلم دون أن يلمسه رقيب أو تمتد إليه حسابات رأس المال. غير أن هذه الصورة تنطوي على حقيقة منقوصة؛ فحين تشتري الشركة فيلمًا جاهزًا، لا يكون لديها مجال للتدخل فيه أصلًا.

لكن "نيون" بدأت تتجه تدريجيًا نحو الإنتاج، لا التوزيع فحسب، ما يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت ستبقي على هذه الصورة، أم أن المعادلة ستتغير.

صحيح أن "نيون" تبنّت الفيلم الأجنبي، لكنها فعلت ذلك غالبًا بعد أن نال اعتراف مهرجانات مرموقة. فهي، حتى الآن، لا تتجه إلى سينمات مهمّشة، كالإثيوبية أو الفيتنامية أو السورية، لاكتشاف مواهب جديدة، بل تنتظر أن يكتشفها "كان" أو "برلين" أو "فينيسيا" أولًا، ثم تمد يدها.

"نيون" وحرب صامتة مع الاستديوهات الكبرى

من المعروف أن الاستوديوهات الكبرى تُبنى على سينما "النوع" (الجانرا): أفلام الأبطال الخارقين، وسلاسل أفلام بعينها، وأسماء ممثلين مضمونة في شباك التذاكر، بينما تراهن شركة نيون على القرار الفردي والسرعة. فالتعامل مع أي شركة إنتاج ضخمة قد يستغرق أسابيع من المراجعات والموافقات البيروقراطية، بما يستهلك وقت وروح أي عمل إبداعي.

في المقابل، داخل نيون، يُتخذ القرار خلال ساعات، وهو ما أتاح لها مثلًا اقتناص فيلم (I, Tonya)، في مهرجان "تورنتو"، وإطلاق حملة أوسكارية للترويج له قبل حتى إتمام الإجراءات النهائية للعقد. ما تفعله "نيون" هو أنها أتقنت فن إيصال الفيلم الجيد إلى جمهور لم يكن يعرف طريقه إليه.

تُروَّج لـ"نيون" صورة الحارس النبيل الذي يحمي الفيلم دون أن يلمسه رقيب أو تمتد إليه حسابات رأس المال. غير أن هذه الصورة تنطوي على حقيقة منقوصة؛ فحين تشتري الشركة فيلمًا جاهزًا، لا يكون لديها مجال للتدخل فيه أصلًا

"كان 2026": هل هو بداية تحوّل؟

مشاركة شركة "نيون" في مهرجان كان هذا العام تستحق التوقف عندها والتأني في الحكم، إذ إلى جانب الأفلام المكتملة التي اشترت حقوق توزيعها، اقتنت الشركة فيلم (Clarissa) للأخوين النيجيريين أري وتشوكو إيسيري في شباط/فبراير، قبل عرضه في مهرجان "كان"، ما منح المشروع زخمًا مبكرًا في مرحلة ما قبل العرض. كما اشترت أيضًا فيلم (Paper Tiger ) للمخرج جيمس غراي قبل عرضه.

ويُعد هذا تطورًا نسبيًا مقارنة بنمطها المعتاد، إلا أن نشاط "نيون" ما يزال، في جوهره، محصورًا في الاقتناء والتوزيع، وليس الدخول في مغامرة إنتاجية كاملة ترافق المخرجين منذ المراحل الأولى، من الفكرة وحتى الإنجاز النهائي.

الإبداع والحصار: من يكسر الأبواب

في النهاية، السينما تخوض اليوم حربَ جبهات، و"نيون" ليست العدو، لكنها ليست المنقذ أيضًا. هي وسيط ذكي في سوق تحتاج إلى وسطاء. دورها له قيمة حقيقية لا مخاتلة أو غش فيه، لكنه يختلف جذريًا عن صورة المتحدي الثوري التي تُسوَّق بها. فالأبواب المغلقة لا يكسرها الموزع، يكسرها المخرج حين يصنع فيلمًا لا يمكن للسوق تجاهله. بونغ جون هو لم ينتظر "نيون" ليصنع. "باراسايت". سيلين سياما لم تحتج إذنهم لتكتب "صورة فتاة تحترق" (Portrait of a Lady on Fire)، هم صنعوا أفلامهم، و"نيون" رأت، قيّمت واشترت. ضوء "نيون" حقيقي، لكنه ليس الشمس. الشمس في يد من يقف خلف الكاميرا.

كلمات مفتاحية
ميلي ألكوك

"سوبرغيرل" وهيلين الطروادية في مرمى المحافظين: النساء وحروب التمثيل في هوليوود

جدل جديد في هوليوود حول تمثيل النساء والهوية مع "سوبرغيرل" للمخرج جيمس غان، وملحمة كريستوفر نولان المرتقبة "الأوديسة"

فيلم "فيورد"

فيلم "فيورد": سؤال الله والأبناء

لن تمضي عشرون دقيقة على بداية فيلم "فيورد" حتى ينتابك إحساس عجيب، لا بالألفة فحسب، بل بالتماهي مع حكاية الفيلم وشخصياته

أنييس فاردا

أنييس فاردا: "السينما الجيدة هي سينما جيدة"

في العام 1954، التُقطت صورة لامرأة شابة، قصيرة القامة، في السادسة والعشرين، تقف على كتفي أحد عمّال السينما لتصل إلى الكاميرا. هكذا وجدت الحل بما كان متاحًا تحت قدميها

كأس العالم 2026
رياضة

عن المسافات الهائلة بين المدن المستضيفة لكأس العالم.. من أكثر المتضررين؟

ستشهد كأس العالم 2026 تفاوتًا كبيرًا في حجم التنقلات بين الفرق، فستضطر بعض المنتخبات إلى قطع آلاف الأميال خلال دور المجموعات، بينما ستتمتع أخرى بجدول مريح يسمح لها بالبقاء في منطقة جغرافية واحدة

كأس العالم 2026
رياضة

كيف يكشف مونديال 2026 أزمات العالم المعاصر؟

يخضع مواطنو 39 دولة لقيود سفر أميركية متفاوتة تحول دون وصولهم إلى الولايات المتحدة، تنقسم بين حظر شامل وحظر جزئي

لبنان
مجتمع

من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم

يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة

كأس العالم 2026
الترا لايت

هل تتحول كأس العالم 2026 إلى عبء مناخي عالمي؟

قد ينتج كأس العالم 2026 نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر