نيودلهي تلوّح بـ"حرب المياه": مشاريع هندية تهدد الزراعة والحياة في باكستان
16 مايو 2025
تُعد معاهدة "مياه نهر السند"، الموقّعة عام 1960 بوساطة البنك الدولي، واحدة من أنجح الاتفاقيات الدولية في مجال تقاسم الموارد المائية. فقد نظّمت تقاسم مياه الأنهار بين الهند وباكستان على مدى عقود، حيث خُصصت الأنهار الشرقية (بياس، وسوتليج، ورافي) للهند، بينما خُصصت الأنهار الغربية (السند، وجيلوم، وتشيناب) لباكستان.
ورغم التوترات السياسية المتكررة، بل وحتى الحروب بين البلدين، فقد صمدت المعاهدة لأكثر من ستة عقود، مما جعلها نموذجًا يُحتذى به في التعاون الإقليمي لإدارة الموارد المشتركة.
تعليق العمل باتفاقية المياه التاريخية
في أعقاب الهجوم الذي وقع في منطقة بَهَلْغَام في 22 نيسان/أبريل الماضي وأدى إلى مقتل 26 مدنيًا في كشمير الهندية، أعلنت الهند تعليق مشاركتها في اتفاقية "مياه نهر السند". ورغم الاتفاق مؤخرًا على وقفٍ لإطلاق النار عقب أوسع مواجهة بين الجانبين منذ سنوات، فإن الاتفاقية لا تزال معلقة ولم تُفعّل من جديد.
في أعقاب الهجوم الذي وقع في منطقة بَهَلْغَام في 22 نيسان/أبريل الماضي وأدى إلى مقتل 26 مدنيًا في كشمير الهندية، أعلنت الهند تعليق مشاركتها في اتفاقية "مياه نهر السند
في تصعيد جديد للتوتر بين الهند وباكستان، تدرس نيودلهي خططًا لزيادة كميات المياه التي تستخرجها من نظام "نهر السند"، الذي تعتمد عليه الزراعة الباكستانية بشكل رئيسي، في خطوة اعتبرها مراقبون انتقامية من هجوم استهدف سياحًا في كشمير وألقت الهند بمسؤوليته على إسلام آباد.
مشاريع هندية لإعادة توجيه المياه
وفقًا لمصادر متعددة لوكالة "رويترز"، أصدر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تعليمات بتسريع تنفيذ مشاريع مائية على أنهار السند، تشناب، وجيلوم، وهي الأنهار الثلاثة المخصصة لباكستان بموجب الاتفاقية.
أحد المشاريع الرئيسية قيد الدراسة يتمثل في توسيع قناة "رانبير" القديمة على نهر تشناب، والتي يمتد طولها حاليًا 60 كلم، حيث تخطط الهند لمضاعفتها إلى 120 كلم. يهدف هذا التوسيع إلى رفع كمية المياه التي تُحوَّل من النهر إلى الهند من 40 إلى 150 مترًا مكعبًا في الثانية، أي ما يقارب أربعة أضعاف.
تغيير قواعد اللعبة
رغم أن هذه المشاريع ستستغرق سنوات، إلا أن الوثائق التي حصلت عليها "رويترز" تشير إلى أن الهند تُعدّ أيضًا قائمة بمشاريع طاقة كهرومائية جديدة في إقليم جامو وكشمير قد ترفع قدراتها إلى 12 ألف ميغاواط، بدلًا من 3360 ميغاواط حاليًا.
وللمرة الأولى، تدرس الهند إمكانية بناء سدود تخزين كبيرة في نظام نهر السند، وهو أمر لم يحدث من قبل. وتم تحديد خمسة مشاريع على الأقل، أربعة منها على روافد نهري تشناب وجيلوم.
باكستان تحذر
من جهتها، حذّرت الحكومة الباكستانية، عقب تعليق المعاهدة، من أن أي محاولة لوقف أو تحويل تدفق المياه المستحقة لها بموجب الاتفاقية ستُعتبر "عملًا حربيًا". وقال وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إن بلاده تعتبر المعاهدة "لا تزال سارية"، مشيرًا إلى أنهم قدّموا اعتراضًا رسميًا للهند على تعليقها، واصفًا الخطوة بأنها "غير قانونية".
ولا تخفى أهمية هذه الأنهار بالنسبة لباكستان، إذ تعتمد نحو 80 % من الزراعة الباكستانية على نظام نهر السند، إضافة إلى تشغيل غالبية مشاريع الطاقة الكهرومائية في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 250 مليون نسمة.
من جانبه، أكد البنك الدولي أن المعاهدة لا يمكن تعليقها أو تعديلها من طرف واحد، مشيرًا إلى أنه لم يتلقَ أي إخطار رسمي من الهند بشأن هذا التعليق.
تسييس المياه: ضغوط متعمدة
يرى خبراء أن الهند تسعى إلى استخدام ورقة المياه كأداة ضغط سياسي، لا سيما في ملف كشمير. وقال الباحث في العلاقات الدولية في جامعة "جواهر لال نهرو" في نيودلهي، هابيمون جاكوب: "مع تصاعد التوتر، تحاول نيودلهي تقليص إطار الحوار مع إسلام آباد وحصره في ملفات محددة مثل معاهدة المياه، بدلًا من مناقشة القضايا السياسية الكبرى ككشمير".
وكان مودي قد صرّح خلال خطاب ناري هذا الأسبوع بأن "الدم والماء لا يمكن أن يتدفقا معًا"، في إشارة واضحة إلى ربط الأمن القومي الهندي بالتحكم في الموارد المائية.
الأبعاد الجيوسياسية والبيئية
يبدو أن الهجوم الأخير في كشمير قد غيّر قواعد اللعبة، وفتح الباب أمام أخطر تصعيد مائي بين الهند وباكستان منذ توقيع اتفاقية مياه نهر السند عام 1960.
تعليق المعاهدة يُعد تصعيدًا خطيرًا في العلاقات بين البلدين، وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في جنوب آسيا، إذ أصبح التحكم في الموارد المائية أداة ضغط سياسي، ما يعزز المخاوف من اندلاع "حروب المياه" في المستقبل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تقليل تدفق المياه إلى باكستان قد يتسبب في أزمات بيئية حادة، مثل تدهور الأراضي الزراعية وزيادة معدلات التصحر، وهو ما يفاقم من التحديات الاقتصادية والاجتماعية في بلد يعتمد نحو 80% من مزارعه على نظام نهر السند.
وفي ظل استمرار التوترات السياسية، تتزايد المخاوف من أن تتحول المياه من وسيلة للتعاون إلى أداة للصراع، خاصةً في ظل التغيرات المناخية وتزايد الاحتياجات السكانية لدى الجانبين.