نيكي ميناج الأكثر انسجامًا مع ذاتها من مضيفيها

نيكي ميناج الأكثر انسجامًا مع ذاتها من مضيفيها

نيكي ميناج (Getty)

لن تجد الغرب مختلفًا على قيمه بصورة حادة مثيرة للاستقرار الاجتماعي والسياسي، فيما ستجد المسلمين منقسمين على قيمهم، على الأقلّ من حيث الصعيد العملي، فرغم أن كلًّا منهما ينطلق من بُنى فكرية ومرجعيات متباينة في المفاهيم وسيرورتهما التاريخية، إلا أن الفارق يكمن في طبيعة التعاطي مع تلك البنى.

الخروقات للموروث في أوساط المسلمين كبيرة ولا تتوقف عند تعاليم الدين وقيود الاجتماع

لا شك أن هناك قيمًا دينية مشتركة بين الطرفين، غير أن التباين يكمن في كيفية التعاطي الاجتماعي معها، فالمثلية، والإجهاض، والقتل الرحيم، موقف الإسلام والمسيحية واليهودية منها مشترك، لكن الفارق أن الغرب قد تجاوز إطار الشريعة الدينية وتطبيقاتها في المجال العام، وانتهى التحاكمُ الاجتماعي فيه إلى واقع عقد عام يساهم فيه السكان، ويشمل ذلك من لا تعود خلفيتهم الفكرية إلى قيم الغرب التاريخية كالمسلمين وغيرهم من الجاليات التي استقرت في الغرب.

اقرأ/ي أيضًا: ابن سلمان عدو خططه.. وحش الاستبداد يفترس دعاية الإصلاح

مبدأ الحرية بكل صوره قائم في الغرب، بينما هناك تناقض إسلامي في التعاطي مع مفهوم الحرية، ففي حين يمنح الدين في إطار مقاصده الكبرى حرية الاعتقاد لمعتنقيه، إلا أن هناك جملة تشريعات تقيّد سياق الحريات، وذلك ليس حصرًا على الإسلام، بل طبيعة عامة تتسم بها العديد من الأديان.

الحرية الفردية في الغرب مطلقة ولا تجد قيدًا تشريعيًا إجرائيًا من قبل أديان سكانه، ويُترك ذلك للضمير الجمعي المسيحي واليهودي، في مقابل أن الحرية الفردية بين المسلمين خاضعة للموروث الديني والاجتماعي.

ورغم ذلك فإن الخروقات للموروث في أوساط المسلمين كبيرة ولا تتوقف عند تعاليم الدين وقيود الاجتماع، وهذه الثنائية نتاج لطبيعة إنسانية توفيقة بين الذات والأنا الجمعية اللتين تخوضان جدلًا غير محدود، والأمر غير خاص بالمسلم بل يطال غيره، لكن الفارق بين المجتمع الغربي والإسلامي أن الفرد يمثّل ماهية قائمة بحد ذاتها، في حين أن ماهية الفرد المسلم اجتماعية.

لن تجد مسلمًا خارجًا عن قيم المجتمع قادرًا على الانسجام مع بنيته الاجتماعية، في حين أن اعتقاد الفرد الغربي أحادي الجانب وليس له صلة بمنظومة المجتمع، سواء آمن بها أو خرج عليها، فالتعدّد الفكري على المستوى الفردي والأسري والمجموعات الاجتماعية انتهى كمُسلّمة لا يمكن الاقتراب منها والتشكيك فيها.

انطلاقًا من ذلك جاء موقف المطربة نيكي ميناج التي أعلنت عن رفضها لدعوة تلقتها للمشاركة في مهرجان فني بمدينة جدة السعودية، فقد انحازت إلى قيم مجتمعها، مع فارق أن ذلك تم بفعل إرادتها الحرة، وذلك على خلفية قناعتها في أن هذا المجتمع لا يمنح الحرية لفئات عديدة كالمرأة والمثليين على غرار بلدها، وبرغم وجود من هم يقفون على مسافة بعيدة من موقف وقناعات المطربة حتى في الغرب ذاته، بفعل رسوخ الموروث الاجتماعي لديهم، كما هو ماثل في البلاد الإسلامية.

لا شك أن من وجهوا لها الدعوة، والمجتمع الذي كانت ستحل عليه كضيفة، غير متناسقين مع ماهية الضيفة، كما أن تلك الدعوة غير منسجمة مع سياقهم الاجتماعي، ولكنها في المحصلة رغبة أحادية من قبل صانع القرار في إطار تغييراته الطارئة على الدولة والمجتمع، بينما نيكي ميناج لديها قضية تنطلق منها، بغض النظر عن الاتفاق معها في تصوراتها أم لا.

مع العلم أن موقفها يتجاوز التعاطف مع شرائح المرأة والمثليين إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو الاستثمار على المستوى الفردي في مجتمعها، أي ما يقابله مفهوم المزايدة، ورسالتها تأتي نيابةً عن صنّاع القرار الغربيين، تحديدًا الأمريكيين، مطالبة بأن يُبدِّل مضيفيها قدرًا أكبر من التغييرات الجذرية على شتى مستويات الحياة العامة، وأن يتماهوا، بصورة أو أخرى، مع القيم الغربية على صعيد واقع الحريات.

المفارقة أن المطربة نيكي ميناج ترفض من كان يفترض أن يرفضوها كقيمة اجتماعية، خاصة أنه عرف عنهم التضييق على مواطنيهم من خلال أدوات منها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نظرًا لرفضهم تكريس واقع حريات على غرار الغرب، ومن خلال إشارة رفضها المشاركة تؤكد أن لديها رسالة تدفعها للحرص على مراعاة الحريات الفردية، دون التوقف عند حدود بلادها.

المفارقة أن المطربة نيكي ميناج ترفض من كان يفترض أن يرفضوها كقيمة اجتماعية

إن من رفضوا أبناءهم الذين تمردوا على تقاليد مجتمعاتهم وضيّقوا عليهم، ما أدى إلى هروب بعضهم إلى الغرب ذاته، يرحبون بمطربة تختلف عنهم كثيرًا، ترى ماذا يريدون منها؟

اقرأ/ي أيضًا: ولعٌ بالجنس والعاهرات ونوادي التعري.. شذرات من "الحياة القذرة" ليوسف العتيبة

بلغ الغرب واقعه الراهن عبر سيرورة جدل فكري وحراك اجتماعي تاريخي جدلي مر بمحطات تغيير تدريجي، لكنه كان جذريًا، وتمت صياغته في عقد عام رسّخ واقع التمايز الاجتماعي، الذي احتكم إلى رغبة الفرد على مستوى مراعاة الحريات، وترك اختيار نمط العيش للإنسان أولًا وأخيرًا، وهو ما يمثل خيارًا صعبًا في الجانب الإسلامي.

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by Ultra Sawt | الترا صوت (@ultrasawt) on

 

اقرأ/ي أيضًا:

ديسكو جدّة.. ملهى ليلي وفق أحكام الشريعة السعودية!

5 أفلام فضحت النظام السعودي من الداخل