ultracheck
  1. قول

نيكولاس مادورو: بين الامبريالية والاستبداد والسيادة المُفرَّغة

10 يناير 2026
نيكولاس مادورو
رفض شيطنة مادورو ليس تهاونًا أو تعاطفًا مع رئيس دولة ؛ بل شرط لفهم المسؤولية تجاه الحدث (Getty)
مهيب الرفاعيمهيب الرفاعي

لا يمكن الحديث عن اختطاف نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير 2026، والمُقدّم بوصفه عملية أميركية حملت اسم "عملية العزم المطلق"، والتي شملت بدورها ضربات محدودة ومداهمة في قلب كاراكاس، ثم نقله سريعًا إلى نيويورك، على أنه نهاية درامية لمسار سياسي، بل أيضًا في إطار كونه لحظة كاشفة لبنية الصراع على السلطة داخل دولة ريعية تعيش تحت حصار طويل. فسواء جرى تأويل العملية على أنها تطبيق للقانون عند التخوم القصوى للجغرافيا السياسية، أو تدخّل عسكري-أمني أُلبس لباس الشرعية القانونية في مسار مكافحة تجارة المخدرات، باعتبارها ذريعة تدخل و اختراق سيادة دولة من قبل الولايات المتحدة، فإنها تختزل في حدث واحد تراكُم مسارات متشابكة؛ بحيث يجري تحويل القضاء والمكافآت إلى أدوات سياسية عابرة للحدود؛ وتستخدم العقوبات لا كوسيلة ضغط ظرفية بل كآلية منهجية لتفريغ الدولة من قدرتها الوظيفية؛ مع تثبيت النفط في موقع القلب النابض للاقتصاد والسياسة معًا كمورد البقاء وغنيمة الصراع؛ وانكشاف حدود التحالفات الحامية حين تصطدم بقدرة أميركية على الاختراق والتنفيذ.

من هنا، لا تُقرأ العملية كبرهان أخلاقي على شرٍّ مطلق في شخص مادورو أو على نزاهة مطلقة في الفعل الأميركي، بل كلحظة تشخيصية مكثفة تُظهر كيف تتحول السيادة من وضع قانوني ثابت إلى حالة مشروطة ومتنازَع عليها فيها سيادة تُعاقَب من الخارج، وتُستنزَف من الداخل، ويُعاد إنتاج خطابها بوصفه مقاومة دائمة، لا لتحرير الدولة أو تجديدها، بل للحفاظ على نواة استبدادية قادرة على الاستمرار وسط الخراب.

سيادة النفط والمنطق الجيوسياسي للانضباط

ليست احتياطات فنزويلا النفطية والاقتصاد السياسي المرتكز على شركة "PDVSA"مجرد سياق خلفي؛ بل هي المسرح البنيوي الذي تؤدَّى عليه كل الحجج "الأخلاقية"؛ على اعتبار انه حين يكون مجرى الدولة المالي نفطيًا على نحوٍ كاسح، يصبح التحكم في القدرة على التصدير تحكمًا في البقاء السياسي، ولا سيما في ظل العقوبات والعزلة المالية. وبالتالي، فإن الضغط الأميركي الذي يستهدف الناقلات وتدفقات العائدات والحيز البحري والقطاع المالي، والذي انعكس في تسجيل البوليفار سعر 305 بوليفار للدولار الواحد، لا يقتصر على كونه إجراءً عقابيًا؛ بل يتحول إلى استراتيجية تربط قابلية النظام للحياة بنقاط اختناق خارجية. ينتج عن ذلك انقلاب حاسم؛ فبدل أن يُضعِف الضغطُ الاستبدادَ ويدفعه إلى الإصلاح، قد يدفع النظام أعمق إلى بقاءٍ مُؤمَّن أمنيًا، حيث تصبح الحوكمة منطقَ ملجأ، ويغدو الاقتصاد جهازَ ارتجالٍ للتحايل. في مثل هذا السياق، لا تعود السيادة وضعًا قانونيًا مستقرًا؛ بل متغيرًا يُتفاوض عليه عبر مسارات الطاقة، ومدى النفاذ التنفيذي، وقدرة الدولة على إبقاء آلة النفط على قيد الحياة.

ليست احتياطات فنزويلا النفطية والاقتصاد السياسي المرتكز على شركة "PDVSA"مجرد سياق خلفي؛ بل هي المسرح البنيوي الذي تؤدَّى عليه كل الحجج "الأخلاقية"؛ على اعتبار انه حين يكون مجرى الدولة المالي نفطيًا على نحوٍ كاسح، يصبح التحكم في القدرة على التصدير تحكمًا في البقاء السياسي

الهيمنة خارج نص حقوق الإنسان

لا ينظر إلى الصراع الأميركي-الفنزويلي فقط من خلال معجم تعزيز الديمقراطية، لأن النمط الأعمق هو الانضباط الهيمني (Hegemonic Discipline) بحيث يُعامَل التحدّي بوصفه تهديدًا يجب معاقبته، لا مجرد خطأ ينبغي تصحيحه. وهذا مهم تحليليًا لأنه يفسر لماذا يَستهدف الإكراه والعنف غالبًا قدرة النظام (الائتمان، والتجارة واقتصاد التسليح، وصيانة البنية التحتية وتطوير قطاع المصارف والحوكمة) لا رفاه القيادة وحدها. وعندما تكون أدوات الانضباط هي الحرب المالية، وتجميد الأصول، والعزلة الدبلوماسية، وهندسة الشرعية (نزعها أو فرضها)، يصبح الهدف هو قدرة الدولة على العمل كدولة. والمفارقة، أن مثل هذه التدابير قد تُآكل المجتمع والمؤسسات أسرع مما تُسقط النواة الصلبة للنظام فتكون النتيجة ليست تحررًا، بل قشرة استبدادية أصلب تشرف على قدرة عامة أضعف. وهكذا يمكن للهيمنة الأميركية في فنزويلا ما بعد مادورو أن تصبح، على غير قصد، شريكًا في دوام الاستبداد، إذ توفّر شروط الحصار التي تستخدمها الأنظمة لتبرير القمع، وتنقل الجدل السياسي من المساءلة إلى البقاء.

العقوبات بوصفها تقنية لتفريغ الدولة

يمكن النظر إلى العقوبات لا كـأدوات ضغط بالمعنى المعتاد، بل كتقنية تفريغ بحيث تبقى الدولة حاضرة إقليميًا لكنها تفقد القدرة على الحكم والحوكمة وإدارة المنشآت، بينما تحل الاقتصادات غير الرسمية، والوسطاء القسريون، والهجرة كبديل عن التنافس السياسي الطبيعي. وينتج عن ذلك أسوأ توازن سياسي، فليس لدينا هنا انهيار نظيف، ولا انتقال ديمقراطي، بل تآكل مطوّل ينجو فيه النظام عبر شبكات السيطرة فيما يتفكك المجال العام. هنا، يُؤطَّر الاعتراف بسلطات موازية أو بديلة في كاراكاس، وتجميد الأصول الوطنية في الخارج، وتجريم قطاعات من جهاز الدولة، بوصفها ضربات لجوهر السيادة نفسها ، لأنها لا تعاقب الحكّام فقط، بل تُنزِع الشرعية عن المؤسسات وتُعطِّلها. والعائد التحليلي حادّ؛ فشيطنة مادورو بوصفه السبب الوحيد للانهيار تصبح مبسَّطة أكثر مما ينبغي، لأن بيئة السياسات جزء من الآلية التي تحوّل الأزمة إلى حالة دائمة.

مناهضة الإمبريالية بوصفها نحو بقاء للنظام

لا نتعامل مع خطاب مادورو المناهض للإمبريالية ( قبل كانون الثاني/يناير 2026) بوصفه دعاية محضة؛ بل يمكن النظر إليه بصفته نحوًا سياسيًا يعيد تنظيم الشرعية حين تفشل مخرجات الحوكمة. في ظل عداء خارجي مستدام، تصبح سردية النظام المتمثلة بالشدة كدليل مقاومة، والمعاناة التي يُعاد تأطيرها بوصفها كلفة السيادة. وقد يجد هذا صدى دوليًا بما يخلق جمهورًا أخلاقيًا يفسر الضغط كعدوان إمبريالي لا كخلاف سياساتي ومرتبط بأمن الطاقة عمومًا. يمكن الانتقال إلى نقطة ثانية لا تقل أهمية فيها تتحول مناهضة الإمبريالية إلى ذريعة عندما تحل محل المساءلة الداخلية؛ فكلما اتكأ النظام على مبدأ "السيادة تحت الهجوم"، سَهُلَ عليه تصوير المعارضة الداخلية بوصفها تعاونًا مع الخارج، وتعذّر الشروع في إعادة بناء مؤسسية تتطلب شفافيةً وثقةً وإدارةً منزوعة التسييس. بهذا المعنى، تنتقل مناهضة الإمبريالية من سياسة تحرّر إلى سياسة تحمّل، مهمتها النظام متماسكًا من دون استعادة الدولة.

رأس مال أخلاقي خارجي

يُقدَّم اصطفاف مادورو مع القضية الفلسطينية وعداؤه لإسرائيل في النص بوصفه أكثر من رمزية، على أنه تموضع داخل شقٍّ عالمي بين نظام مدعوم غربيًا وكتل مناهِضة للهيمنة؛ لتعمل فلسطين كخط صدع أخلاقي دوليًا، ويمكن للاصطفاف معها أن يولّد شرعية لدى جماهير متعاطفة. غير أن النص يرسم حدًا صارمًا على أن الوضوح الأخلاقي في الخارج لا يُنتج تلقائيًا حوكمة أخلاقية في الداخل. فدعم فلسطين مثلاً لا يُلغي القمع، ولا يعوّض الدمار الاقتصادي؛ وهذا مهم لأن بعض السرديات المؤيدة والمعارضة لمادورو على السواء تستخدم فلسطين إما بوصفها تبرئة بقول "إذًا هو على حق" أو إقصاء بقول “إذًا هو انتهازي" ، وبالتالي قد يكون الاصطفاف في السياسة الخارجية ذا معنى أخلاقي، لكنه لا يصلح بديلًا عن أخلاقيات الحكم الداخلي، ولا ينبغي تسليحه لتبرير الممارسة الاستبدادية.

سابقًا، تبنت فنزويلا موقفًا داعمًا للقضية الفلسطينية، واعترف نظام هوغو تشافيز عام 1998 بقيام الدولة الفلسطينية، لتقيم كاراكاس مع السلطة الفلسطينية علاقة دبلوماسية عام 2009وقطعت علاقتها بتل أبيب نهائيًا؛ مع تقديم منح دراسية للفلسطينيين وإلغاء التأشيرة؛ بينما أعلن نظام مادورو إدانة واضحة للإبادة في غزة؛ الأمر الذي زاد من حدة الضغوطات الأمنية والعسكرية عليها.

يمكن ان ننطلق من فكرة أن شيطنة مادورو ( لا سيما في دول عانت من محور المقاومة والممانعة في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين) هي فشل تحليلي لأنها تُشخْصِن انهيارًا بنيويًا وتحول فنزويلا إلى مسرح أخلاقي. فالاستبداد هنا ليس مجرد مزاج قائد؛ بل منظومة أدت إلى تلاعب انتخابي، وتضييق للمجال المدني، وحوكمة أمنية استبدادية وسلطوية، وتآكل مؤسسي لصالح دولة عنيفة شمولية. ويمكن لهذه السمات أن تتعايش مع العدوان الخارجي، ولا ينفي الاعتراف بإحداهما الأخرى. هنا تتحدد دقة حجة "رفض الشيطنة" في رسم خرائط توزيع السلطة وإعادة إنتاجها وحمايتها، خصوصًا في الدول الريعية المُعسكرة،  وبالتالي قد تكون الإدانة مُرضية أخلاقيًا، لكنها غالبًا كسولة سياسيًا إذ توحي بأن إزالة الشخص الشرير تعيد الطبيعي، بينما المشكلة الأعمق هي دولة متضررة وائتلاف سلطة استخراجي قادر على النجاة من تبدّل القيادات.

الاصطفاف مع الأسد بوصفه قطيعة أخلاقية

يمكن أن نضع حدًا أخلاقيًا واضحًا يقف عند اصطفاف مادورو مع نظام بشار الأسد، لا بوصفه تفضيلًا دبلوماسيًا ثانويًا، بل تصديقًا لسردية تُؤطّر الثورة السورية بوصفها "إرهابًا" وتشرعن القمع الجماعي وتدعمه في الخطابات والتسهيلات اللوجستية والدبلوماسية عبر قطع العلاقات مع أي كيان معارض لحكم السد، والتصويت ضد أي قرار يدين الأسد وجرائمه ضد الإنسانية. وبالنسبة لجماهير تشكلت خبرتها عبر تجربة الثورة السورية، حيث استُخدمت مفاهيم "السيادة" للتستّر على العنف المنهجي، ينهار أي التباس متبقٍ مع هذا الاصطفاف. ليست الحجة أن السياسة الخارجية تحدد كل حكم أخلاقي، بل أن بعض الاصطفافات غير محايدة؛ فتبنّي نموذج سيادة يُدافع عنه بالقتل الجماعي هو التزام أخلاقي سلبي وله تبعات. وهنا يمكن القول إنه حتى إن رُفض الإكراه الإمبريالي ضد فنزويلا، فإن التعاطف يُحجَب بفعل الممارسة الاستبدادية للنظام وتضامنه مع منطق مضاد للثورة قائم على عنف مفرط.

خيانة مزدوجة بين الحلفاء والداخل

يمكن رفض الفكرة التبسيطية القائلة إن روسيا والصين وإيران أنقذت نظام مادورو بما يوحي بولاءٍ حمائيٍّ عميق؛ وبدلًا من ذلك، يمكن تأطير الدعم الحليف بوصفه مشروطًا وتعامليًا عبر تأمين غطاء دبلوماسي ومجمعة إدانات إعلامية من دون إعادة إعمار، وقروضًا مربوطة بضمانات نفطية وإدارة مخاطر، ومساندة تكتيكية بلا قدرة على إعادة بناء بنيوية وتوريد أسلحة بخطوة توريط وليس دعم. عمومًا، فإن التحالفات المناهضة للغرب والإمبريالية الغربية قد تحفظ الأنظمة مع قبول انهيار الدولة ككلفة مقبولة؛ وهذا يهدم أسطورة أن الحلفاء يضمنون السيادة، وأسطورة أن الاصطفاف الجيوسياسي يُنتج تلقائيًا إنقاذًا تنمويًا. عمليًا، قد تتحول الروابط الحليفة إلى طبقة أخرى من الإنقاذ، أقل وضوحًا من العقوبات الغربية، لكنها لم تكن قادرة على تقديم النفوذ والدخول في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.

لا تفسر القيود المفروضة خارجيًا كل شيء؛ لا سيما وأن أشد الخيانات تآكلًا قد تأتي من الداخل، عبر نخب تبقى موالية شكليًا بينما تُفرِّغ المؤسسات عمليًا. حين يحوّل الفاعلون العسكريون والأمنيون الولاء نحو الخارج بدون سؤال عن التبعات، وكانوا قبلها قد حولوا السيطرة على الموانئ، ولوجستيات النفط، والواردات، وشبكات التحايل على العقوبات إلى نفاذ خاص، يتوقف الولاء عن كونه مسؤولية مؤسسية ويصبح بطاقة عضوية في دولة ريعية. ومع الزمن، يُكمِل انسحاب البيروقراطية، وخروج الكفاءات التقنية، واقتصادات البقاء غير الرسمية، تآكل الدولة. الدينامية الأساس أيضًا هي وجود معارضة تُفوِّض استراتيجيتها لقوى خارجية قد تفقد مصداقية السيادة وتصبح عاجزة بنيويًا عن قيادة إعادة الإعمار، لأنها تُرى أداة لا بديلًا وطنيًا. ووفق هذه القراءة، تُحتجز فنزويلا بين ثلاث قوى تبدأ من العقاب الإمبريالي، والاستخراج النخبوي، وصولاً إلى التعهيد السياسي ، ولا واحدة منها تعيد بناء عقد اجتماعي قابلًا للحياة لا سيما بعد كلام ترامب عن زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو أنها لا تحظى بالتأييد الكامل للوثوق بها، ونصّب السيدة ديلسي رودريغيز التي كانت في منصب نائب الرئيس.

بين الشيطنة التعاطف

إن رفض شيطنة مادورو ليس تهاونًا أو تعاطفًا مع رئيس دولة ؛ بل شرط لفهم المسؤولية تجاه الحدث بالنسبة للمهتمين بشؤون العلاقات الدولية. فالشيطنة تعزز السرديات الإمبريالية، فتجعل العقاب الجماعي يبدو مستحقًا، وتعزز سياسات الحصار الاستبدادية فتجعل القمع وخرق السيادة والعربدة الأميركية يبدو دفاعيًا. لكن رفض التعاطف ضروري بالقدر نفسه، لأن ترسيخ الاستبداد، والقمع، والاصطفاف مع أنظمة العنف الجماعي يضع حدودًا أخلاقية. والموقف "الصحيح" والنسبي ليس حيادًا ولا تذبذبًا؛ بل رفضًا مزدوجًا منضبطًا؛ فيه إدانة الإكراه الهيمني من دون القول برومانسية المقاومة الاستبدادية، ورفض الكاريكاتور من دون منح الغفران. بهذا المعنى، التحليل ليس أبرد من الأخلاق، بل هو ما يمنع تسليح الأخلاق من قبل الإمبراطوريات والديكتاتوريات على السواء.

التشخيص الأكثر إيلامًا ليس ببساطة "مادورو سيئ" أو "الولايات المتحدة شريرة"، بل السيادة المُفرَّغة، بحيث أن دولة تبقى من دون قدرة، حيث يُسرِّع الإكراه الخارجي (External Coercion) الانهيار، ويستخرج الحلفاء من دون إعادة بناء، وتُخصخص النخب الداخلية البقاء. في مثل هذه الظروف، تُخفي الشيطنة الآليات، بينما يُزيِّف التعاطف المساءلة. وما يتبقى هو اقتصاد سياسي للتحمّل ، حيث يمكن لبلاغة المقاومة أن تحل محل التجديد، وحيث يتوقف المستقبل أقل على إزالة شخص، وأكثر على إعادة بناء مؤسسات قادرة على البقاء بعد كلٍّ من العقاب الإمبريالي والاستخراج الاستبدادي.

التشخيص الأكثر إيلامًا ليس ببساطة "مادورو سيئ" أو "الولايات المتحدة شريرة"، بل السيادة المُفرَّغة، بحيث أن دولة تبقى من دون قدرة، حيث يُسرِّع الإكراه الخارجي (External Coercion) الانهيار، ويستخرج الحلفاء من دون إعادة بناء، وتُخصخص النخب الداخلية البقاء

شيطنة نيكولاس مادورو مضلِّلة تحليليًا لأنها تختزل أزمة بنيوية في حكاية أخلاقية مُشخْصَنة، فتحوّل انهيار فنزويلا إلى نتاج خبث وانتهازية رجل واحد بدل كونه اقتصادًا سياسيًا تشكّل عبر اعتماد ريعي على النفط، وحوكمة مُعسكرة، وضغط العقوبات، وتحييد النخب. الآن من خلال تصوير مادورو كشرٍّ منفرد، توحي الشيطنة بأن إزالته واختطافه من قبل أمريكا ستعيد الوضع الطبيعي، بينما الواقع أن الدولة نفسها قد أُفرغت، وأن هذا التفريغ للمؤسسات والقدرة والعقد الاجتماعي سيبقى ويمتد بغض النظر عن أي قائد جديد. والأسوأ أن هذا التأطير الشخصاني يشرعن العقاب الجماعي والإكراه الإمبريالي، فيحوّل العقوبات، ومصادرة الأصول، والحرب المالية، وحتى العمليات العسكرية، إلى أفعال ضرورية أو انتقامية أخلاقية بدل كونها خيارات سياسية ذات كلفة اجتماعية مدمِّرة، وبذلك يصبح الأذى الواقع على المجتمع أخلاقيًا فيما يحجب دوره في تدمير قدرة الدولة والاستيلاء على مقدراتها بذريعة الحرب على المخدرات والفساد. 

وعلى نحوٍ مفارق، تُقوّي الشيطنة أيضًا سردية الحصار لدى النظام نفسه؛ فالتجريم الخارجي يثبت خطاب مناهضة الإمبريالية، ويُعيد توصيف القمع بوصفه دفاعيًا، ويَسِم المعارضة بالتعاون بدل الاستقواء، ويُعيد تأطير المعاناة الشعبية بوصفها ثمن السيادة الذي لا مفر منه، ما يغذّي صلابة الاستبداد بدل إضعافه. وفي الوقت ذاته، فإن تركيز الغضب على مادورو وحده يمحو المسؤولية الداخلية، ويخفي أدوار نخب عسكرية وأمنية، وشبكات التحايل على العقوبات، وبيروقراطيين ريعيين، ووسطاء سلطة موالين يُفرغون المؤسسات من الداخل؛ وبالتالي فإن انهيار الدولة مُنتَجٌ مشترك، لا قرارٌ صادر عن شخص واحد.

يعرقل هذا المنطق سياسة معارضة جادة، إذ يشجّع استراتيجيات مُعهَدة تعتمد على الضغط الخارجي بدل الشرعية الداخلية، متنازلةً خطابيًا عن السيادة، ومُصعِّبةً إعادة الإعمار بعد سقوط النظام بدل تسهيلها.

يبقى الأهم الفصل بين الوضوح الأخلاقي والوضوح التحليلي، إذ أن رفض الشيطنة لا يعني منح التعاطف، إذ يمكن رفض الإكراه الإمبريالي والحكم الاستبدادي معًا، لكن الشيطنة تُسقِط هذا التمييز وتحول التحليل إلى اصطفاف. 

كلمات مفتاحية
الجيش السوري

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها

حمزة عرباوي

في أربعينه: رسالة إلى طارد الضباع حمزة عقرباوي

عزيزي طارد الضباع عن حيّنا، حمزة عقرباوي

السلطة الجديدة في سوريا

التعيين بين الدولة والقرابة: كيف تكشف الوظيفة شكل السلطة في سوريا

بعد مرور أكثر من عام على سقوط الأسد، وانتقال العمل الإداري إلى حكومة مؤقتة، تُقرأ التعيينات بوصفها ملفًا إداريًا، إلى جانب كونها أول مساحة تظهر فيها طبيعة السلطة بعد الحرب

ارتفاع أسعار السجائر
مجتمع

إمبراطورية التبغ في مصر: أسعار تشتعل وضرائب تتضخم

شهد المدخنون في مصر صدمة جديدة، اليوم الخميس، بعد إعلان شركة "اليابان الدولية للتبغ" (JTI) عن زيادة رسمية في أسعار منتجاتها من السجائر التقليدية ب

الجيش السوري
قول

الجغرافيا العسكرية في سوريا وحدود تفاعلات القوى على الأرض

أصبحت سوريا فضاءً عسكريًا وسياسيًا تُقاس أهميته بقدرته على تنظيم التفاعلات الإقليمية داخل حدوده وعبرها

نوتنغهام
رياضة

إقالتان في يوم واحد.. توتنهام يتخلى عن توماس فرانك ونوتنغهام يطيح بشون دايتش

في يوم واحد فقط، أقيل مدربان من قيادة فريقيهما في البريميرليغ، في مؤشر على تخبط إداري واضح بالدوري الإنجليزي

أوروبا
مجتمع

تربية الأبناء في أوروبا.. عن التحديات التي يخوضها العرب في الغربة

تخوض العائلات العربية المقيمة في أوروبا معركة دائمة لتربية الأبناء والبنات