نيرودا وماركيز.. قصة دردشة معلنة

نيرودا وماركيز.. قصة دردشة معلنة

نيرودا وماركيز

أقام الشاعر التشيلي بابلو نيرودا احتفالًا خاصًا بمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1971، وذلك في منزله في العاصمة الفرنسية باريس حيث كان يشغل منصب سفير بلاده في تلك الحقبة لدى عاصمة الأنوار، ومن بين المدعوّين كان الكاتب والصحافي الكولومبيّ غابرييل غارسيا ماركيز الذي جمعته ونيرودا صداقةٌ حميمة، وقد أُجري هذا الحوار بناءً على طلب من الصحافيين الموجودين لتوثيق لقاءٍ نادرٍ بين اثنين من أبرز الشخصيات التي مثّلت أمريكا اللاتينية في العالم خلال القرن العشرين، بل في عصارة الحقبة الثورية والتحررية ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع السبعينات. وقد تم بثّه على القناة الوطنيّة الكولومبيّة. في هذا التسجيل يظهر الصديقان في جلسةٍ عفويّة وعلامات الإرهاق باديةٌ عليهما بعد ثلاثة أيام متتالية قضياها معًا في الحديث عن مختلف المواضيع.

بابلو نيرودا: يملك الشاعر طريقةً معيّنة في الابتعاد عن الحقيقة المعاشة والحيّة

ماركيز: أرغب في العودة إلى ممارسة العمل الصحافي وبالتحديد كمراسلٍ صحافي، فلديَّ شعورٌ بأنَّه كلّما تعمّق الكاتب في الأدب كلّما فقد ارتباطه بالواقع. بالمقابل يُبقيه العمل الصحافي على تواصلٍ يوميٍّ مع الحقيقة الراهنة. إذا كان هذا يحدث للكاتب، أودُّ معرفة رأيك فيما يتعلق بالشعر، هل يأخذك بعيدًا عن الحقيقة أو يساعدك على اكتشافها والتعبير عنها؟

اقرأ/ي أيضًا: موديانو والنافذة التي تشبه المقصلة

بابلو نيرودا: يملك الشاعر طريقةً معيّنة في الابتعاد عن الحقيقة المعاشة والحيّة، وبشكلٍ خاص شعراء السّنوات الماضية مع بدء القرن الحالي بعد مالارميه (1842-1898) شاعر الرمزيّة والغموض. شخصيًّا أشعر بالغيرة تجاه الراوئيين بشكلٍ عام، لامتلاكهم تلك الخاصيّة في التّحكم السرديّ المذهل والقدرة على روي القصص، وهذا بالضبط ما أُهمل في الشعر بعد أن كان منبعًا له في وقت من الأوقات.

وإذا كان هنالك كاتبٌ ما في هذا العالم، وأرجو أن يعذرني الجميع، وأنت أيضًا غابرييل، يجمع في أسلوبه بين التحقيق والاختزال، بين الوقائع الحيّة والخيال هو غابرييل غارسيا ماركيز الذي أحاوره في هذه اللحظة.

ماركيز: لديَّ شعورٌ ولا أدري إن كان بحكم المهنة أم أنّه تطورٌ يخضع له الكاتب، بأني أميل إلى تحويل السّرد الروائي إلى شعر. وغايتي أن أجد حلولًا شعريّة أكثر منها سرديّة لرواياتي.

نيرودا: على العكس تمامًا فأنا بحثتُ في فتراتٍ كثيرةٍ خلال حياتي عن طريقةٍ لسرد حكايةٍ ما في شعري. لم تكن تخيفني التجارب، ففي الفترة التي نبذ فيها الجميع الشعر الملحميَّ ولم يعد أحدٌ يحاول مجرد المحاولة كتابة شعر كشعر هوميروس، ولا كشعر المقاومة الذي تناول قصصًا لأناسٍ وجدوا يومًا أحبّوا وقاموا. وكذلك الأمر بالنسبة للشعر التعليمي. قرّرت أن أخوض في ذلك النمط من الشعر رغبةً مني في تعليم شيءٍ ما عبر شعري. والأمر الذي تجد نفسك مشدودًا لفعله من خلال الشعر، بدافع رغباتك وتحولاتك، لدي رغبةٌ بتنفيذه في شعري من خلال السرد. وهذا يمثل جزءًا من عملية التّطوّر التي يخضع لها الكاتب حيث يتوجّب عليه الخوض في مختلف المجالات.

ماركيز: نستطيع أن نصل إلى عقد اتفاقيةٍ سلميّةٍ، بمعنى أن يصبح الشعراء أكثر "سرديّة"، وأن يصبح الكتاب أكثر "شعريّة"

ماركيز: أعتقد بأنّنا نستطيع أن نصل إلى عقد اتفاقيةٍ سلميّةٍ هنا، بمعنى أن يصبح الشعراء أكثر "سرديّة"، وأن يصبح الكتاب أكثر "شعريّة"، ونكون أصدقاء وسعداء نحن الروائيين، كما أنا الآن، لنيلك جائزة نوبل، كما أنتظر أن يكون الشعراء على قدرٍ من السعادة في حال حصول أحد الكتّاب عليها.

اقرأ/ي أيضًا: نبيل الملحم: أغار من عبد الباسط الساروت

نيرودا: أقول لك بصراحةٍ تامة إنّني لطالما شعرتُ بالحسد اتجاه الروائيين بسبب عدم قدرتي على سرد الأشياء كما يفعلون، وأنا في حالة تفكيرٍ دائم بكيفية إيجاد كاتبٍ لأحكي له قصصي. وبما أنّك تجد الوسيلة للعيش بعيدًا هناك في كولومبيا وفي برشلونة، لهذا فأنا لا أستطيع العثور عليك لأخبرك بأشياء عرفتها أو رأيتها أو حدثت معي.

ماركيز: إنّه لأمرٌ غريبٌ هذا الذي تقول، ففي جميع المناسبات التي نلتقي فيها أو نتناول الطعام معًا، تقصُّ عليَّ حكاياتٍ رائعة يكفي أن يوضع أمامك الميكرفون لكي تُدون لاحقًا فنحصل على قصصٍ عظيمة. 

نيرودا: إذا حدث هذا ودُوّنت قصصي ستكون فاشلة، وسوف لن يقرأها أحد لأني ببساطة "لا أملك أصابع للبيانو" كما يقول المثل. بالمقابل أقول لك بصدق إنّ الشعر له صعوباته وتحدّياته ومعوّقاته كغيره من الأعمال والهوايات. لهذا أشعر كأنّني سمكة في ماء هذا النهر أو المحيط الصغير الذي هو الشعر. 

نيرودا: الشعر شيءٌ مختلفٌ تمامًا، هو فعلٌ رائعٌ وجميل، مزيجٌ من الحب والأفعال الناتجة عنه

تعرفُ أنّي أقرأ الرواياتٍ بجميع أنواعها، بل أنا ألوك الروايات، الشعرية والواقعية، وأقرأ روايات بوليسية بالدزينة، لا يمكن الاستغناء عن الرواية بأيٍّ شكل. ويبدو لي مستغربًا أن يقوم أحدهم عند استقلال القطار بشراء أحد كتبي ليقرأها خلال الرحلة، هذا من غير الممكن، طبعا سأكون سعيدًا لو فعل، لكن من البديهيّ أن ذلك السيد أو المسافر سيشتري روايةً ليكتشف أحداثها. لقد قلت سابقًا أنّ الرواية هي "البفتيك" أو الوجبة الدّسمة في الكتابة فهي ما يقبل عليه الناس بكثرة.

اقرأ/ي أيضًا: رواية 1984.. التحفة الأدبية التي قتلت جورج أورويل

ماركيز: وإذا كانت الرواية هي "البفتيك" أو الوجبة الدّسمة كما تقول ماذا يكون الشعر إذن؟

نيرودا: الشعر شيءٌ مختلفٌ تمامًا، هو فعلٌ رائعٌ وجميل، مزيجٌ من الحب والأفعال الناتجة عنه، هو شيءٌ أكثر خصوصيّة ومحدوديّة. على كلّ حال ما أقوله هنا قابلٌ للنقاش لأني معجب أيضًا بالشعر المتدفق الذي يخوض مجالاتٍ أوسع. والحقيقة أن قراءة الشعر هي بمثابة عملية تواصلٍ سريّة ومتبادلة بين روح الشاعر والشخص الذي يقرأ، وهذا التواصل هو حقيقيٌّ ويُستشعر ككهرباء تعبر الجسد.

ماركيز: لديَّ شعورٌ بأنّنا استنفدنا مواضيع النقاش والوقت أيضًا لذا أرجو أن تجد الطريقة التي تخرجنا فيها من هذا الحديث (متوجهًا إلى المخرج) لأنّ النقاشات الجيدة التي نقوم بها بابلو وأنا تحدث عندما نكون لوحدنا وليس في هذا الوضع الذي نحن عليه الآن تحاوطنا الكاميرات والميكروفونات وهذا العدد الكبير من الصحافيين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تيسير خلف.. تدمر أكبر من مجرد آثار

أندريس نيومان.. شعر يملأ فراغ الحاضر