نيرودا بوجهه العربي

نيرودا بوجهه العربي

غرافيتي لـ نيرودا في مدينة فالباريسو التشيلية

شاعر مثل بابلو نيرودا (1904 - 1973) ملزم، بحكم شعريّته الطّاغية، بأن يفيض عن اللغة التي كتب بها أشعاره الإسبانية ليزور جميع لغات العالم الحيّة، وتتناسل أشعاره تبعًا لذلك، من لغة إلى لغة، ومن شاعر إلى آخر، وتبقى مفتوحة على أفق الاستزادة. 

إنّ نقلَ الشّعر من لغةٍ لأخرى، أو من لغة للُغة لأخرى، عمل من يمشي على حدّ الهاوية، ويشبه كثيرًا حفر الشاعر البكر في لغته هو

إنّ نقلَ الشّعر من لغةٍ لأخرى، أو من لغة للُغة لأخرى، عمل من يمشي على حدّ الهاوية، ويشبه كثيرًا حفر الشاعر البكر في لغته هو، في قصيدته هو، إذْ نحن لا نستعيد جديدًا حين نقول بصعوبة نقل قصيدة من لغة لأخرى، فهذا العمل، بعد تشابك ثقافات العالم وشعرياتها، أصبح لازمًا، بل ضروريًا.. على ما في لزومه وضرورته من محاذير.

اقرأ/ي أيضًا: بابلو نيرودا في رواية جديدة لإيزابيل الليندي

القصيدة بنت لغتها بالتأكيد، وهي لا تمنح نفسها على ما هي عليه، لأكثر من شاعر، هو شاعرها، صاحبها، مفترعها الوحيد، ولأكثر من لغة هي لغتها، أصلها، دمها ولهاثها السرّي، ظلماتها وأشعتها، صنيع الأمكنة والأزمنة، الجماعات والأفراد في لغتها. كل ذلك صحيح، بل قديم قدم الجاحظ في العربية، لكن الصحيح ايضًا، صعوبة الحجْر على القصيدة، كالعصفور في القفص، إذ سرعان ما تخبط بأجنحتها، وتطير من مكان لآخر، ومن لغة لأخرى، ومن شاعر لآخر، هكذا تتوالد وتتكاثر.

وكما الشعر هو صاحبه، فالترجمة هي صاحبها أيضًا. هكذا سنكون أمام ترجمة قصائد بابلو نيرودا إلى العربية، مباشرة من الإسبانية، أو مداورة من الإسبانية الى الفرنسية فالعربية... أو من أية لغة أخرى أو لغات أخرى وسيطة قبل الوصول للعربية، سنكون أمام نيرودا وهو الواحد متعدد بالضرورة، تبعًا لكل مترجم على حدة، لشعريته هو طبعًا، الواقعة على شعرية نيرودا. هكذا تنكسر مع ما في ذلك من مخاطر ومحاذير ميكانيكية هذا العمل ترجمة الشعر ونقله من لغة الى أخرى وتتفتح شعريات ونصوص، على ضفاف النص الأساس.

النص الأم المولّد على القصائد المختارة التي ترجمها بول شاوول لبابلو نيرودا (دار النهضة العربية، بيروت 2007)، إلى العربية، ولعل ذلك من خلال لغة وسيطة هي الفرنسية، بصمات من بول شاوول نفسه. ذلك يرشح من خلال مقارنة بين هذ الترجمة، وترجمات سابقة عليها، لآخرين كثر، من بينهم ميشال سليمان في سيف اللهب، الذي نقل للعربية في العام 1974 قصائد من نيرودا، وحسن حمادة وأحمد موسى اللذان نقلا الى العربية، من الفرنسية، قصائد من شعر نيرودا، نشراها تحت عنوان "من شعر بابلو نيرودا" دار الفارابي - 1974، ويظهر أن هذا العام 1974 الذي تلى عام وفاته، شهد اهتمامًا عالميًا إحيائيًا ووداعيًا بالشاعر، فقد أعيدت طباعة أعماله الشعرية، ونقل أكثرها إلى لغات العالم الحية، وكرست أعداد خاصة به وبشعره في الكثير من المجلات الأدبية والفكرية في أرجاء العالم كافة.

لقد صدر في شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 1974 عدد خاص لمجلة "أوروب" مكرّس لبابلو نيرودا بعنوان" نيرودا حاضر"، ونقل فرنسيس ريك إلى الفرنسية ديوان "قصائد غنائية أولية" الذي صدر بباريس عام 1974.

من العصب الحجْر على القصيدة كالعصفور في القفص، إذ سرعان ما تخبط بأجنحتها، وتطير من مكان لآخر، ومن لغة لأخرى، ومن شاعر لآخر، هكذا تتوالد وتتكاثر

نذكر أنّ نيرودا، عربيًا، عرّف به ونقل قصائده الى العربية، إضافة الى من ذكرنا، مترجمون آخرون، من بينهم الدكتور محمود صبح، الأستاذ الجامعي المقيم في إسبانيا، فقد نقل الى العربية من الإسبانية مباشرة، مختارات شعرية صدرت عن منشورات وزارة الإعلام في الجمهورية العراقية، عام 1974، مع مقدمة إضافية عن سيرته الحياتية وأعماله الشعرية والنثرية، كذلك فعل الروائي اللبناني الراحل محمد عيتاني إذ انه ترجم عن الفرنسية "100 قصيدة حب للفؤوس وحب ماتيلدا والقرنفل" التي صدرت في بيروت.

اقرأ/ي أيضًا: نيرودا كتب لي قصيدة

ومما صدر بالعربية، مترجمًا عن الإسبانية، كتاب التساؤلات الذي ترجمته سحر أحمد. صدر في العام 2006 عن دار أزمنة في الأردن، ولعله آخر ما كان كتبه بابلو نيرودا من أشعار... إذ يُذكر في الصفحة الأولى من الترجمة ان هذا الديوان أنهى الشاعر كتابته قبل بضعة أشهر من رحيله في 23/9/1973، وأنه نُشر بعد موته.

على كل حال، بول شاوول ترجم مختارات من هذا الديوان الأخير تحت عنوان "كتاب الأسئلة".

هذه، على العموم، أبرز ترجمات نيرودا، إلى العربية... وإذ كان ثمة ما يضاف إليها، ففي الإمكان تداركه أو استدراكه... حتى لكأنّ نيرودا استمر في الكتابة بعد موته. كان نيرودا في حياته كوحش خرافي من أشعار وأسفار وعراك سياسي وحب وزواج وطلاق وموت، وكتابة، دائمًا كتابة كتابة كتابة، لا تكلّ ولا تملّ حتى آخر نفس من أنفاسه. فقد كتب أكثر من أربعين ديوانًا وكتابًا خلال حياة تقل عن السبعين عامًا بقليل.

ومنذ أن أنشأ مع صديقه لوركا في إسبانيا مجلة "حصان أخضر من أجل الشعر" عام 1936، حتى كتاب"التساؤلات" 1973، وهو في حال من فوران الشعر والحب والإنشاد. إنه أكبر غنائيي الحداثة الشعرية، كما يشير بول شاوول في مقدمته للقصائد المترجمة. بل، وعن حق، فإن هذه الغنائية هي أسطورية ملحمية كما في سيف اللهب والنشيد العمومي، تمزج بين العناصر، ولكنها لا تذوب فيها ذوبانًا صوفيًا، فالصوفيون، على قول شاوول "ذوو عيون مغلقة"، أما الصورة عند نيرودا، فطالعة من "عين مفتوحة" على العالم. أي ذاهبة إلى وظيفة ومعنى وإيحاء وفكرة، أي حقيقة ما". لذا سماها "غنائية نقدية". والسبب كائن في غنى تجربة نيرودا، المتمردة على الإيديولوجيا على رغم ماركسية الشاعر، وانتباهته للحب والمرأة والعناصر كأصول للوجود.

الدراسة المختصرة لشاوول في مقدمة ترجماته، تقدم تكثيفًا نقديًا مقارنًا لهذه التجربة الفذّة في الشعر الكوني... فهو طلع بريئًا من أن تأكله الأيديولوجيا بفكها المفترس، أو السريالية بسحرها الذي لا يقل افتراسًا عن الأيديولوجيا.

أخذ نيرودا من أساطير وأناشيد وأدغال وحجارة تشيلي وأمريكا اللاتينية وقودًا خاصًا لشعريته. إنه حار جدًا في الحب كما في المراثي

وأخذ من أساطير وأناشيد وأدغال وحجارة تشيلي وأمريكا اللاتينية وقودًا خاصًا لشعريته. إنه حار جدًا في الحب كما في المراثي. يقول في مرثيته لغارسيا لوركا: "لو أستطيع لبكيت عليك من جزعي في بيت معزول/ لو أستطيع لفقأت عينيّ والتهمتهما من حزني على صوتك البرتقالي المتشح بالعويل والحداد".

اقرأ/ي أيضًا: نيرودا وماركيز.. قصة دردشة معلنة

وهو إذ يكتب في الحب، لماتيلدا بخاصة، آخر محبوباته وأعظمهنّ، فإنه يفجّر كل السحر والمخيّلة في كلماته: "أحسستُ بك في عروقي كالإله في الأنهار"، "النور يصعد من قدميك... أحبك لأنني أحبك... أحبك لأنني لا أحبك... أحبك يا محبوبتي/ أحبك يا مكروهتي/ عدت من الأسفار والآلام الى يدك التي تطير مع القيثارة".

بين يديّ الآن حفنة من نيرودا متجمعة من أكثر من رافد. وما ذكرته من شواهد شعرية، ربما كانت لي يد في صياغته. فنيرودا شاعر وشعرية. وفي الكثير من الشعراء العرب المحدثين، منه ما فيهم. ولكي أبرأ اخيرًا من اللعبة النيرودية، وجدت من الممتع ايراد بعض المقارنات لقصائد نقلها الى العربية بول شاوول وشعراء أو كتاب آخرون... يقول بول شاوول ص 106: "الأمطار الغزيرة في الجنوب/ تمطر على ايسلا نينغرا/ كقطرة وحيدة وشفافة وثقيلة/ البحر يفتح أوراقه الباردة/ يستقبلها/ الأرض تتعلم قدر الكأس المبلل". هذا المقطع نفسه كان قد ترجمه محمد عيتاني في 100 قصيدة حب، على الشكل الآتي: "مطر الجنوب الشديد يهطل على ايسلا نينغرا/ كقطرة واحدة ثقيلة وشفافة/ البحر يفتح أوراقه الباردة/ ويتلقى المطر/ وتتعلم الأرض مصير الكأس الرطب..."ص 83. شفافية الترجمة في النصين متقاربة إن لم تكن واحدة، إذ لا يستطيع المترجم ان يجتهد أكثر مما اجتهد، حيال سطوة النص النيرودي.

من كتاب "الأسئلة" ترجمة شاوول، وهو عينه كتاب "التساؤلات" ترجمة سحر أحمد، نقتطف ما يأتي: "إذا كنت متّ من دون أن أعرف/ فمن سأسأل عن الوقت؟/ أي إذا، في فرنسا، يستنفد الربيع كثيرًا وكثيرًا من الأوراق/ حيث يستطيع أعمى أن يعيش/ يطارده طيران النحل؟ إذا اختفى الأصفر يومًا ما/ فبم سنصنع الخبز؟" ترجمة بول شاوول.

أما سَحَر أحمد فتترجم النص عينه على الشكل الآتي: "إذا متُّ ولم أعلم بموتي/ فمن أسأل عن الوقت؟/ من أين للربيع في فرنسة كل هذه الأوراق؟/ أين يعيش الأعمى المطارد بالنحل؟/ لو نفد اللون الأصفر فبماذا نصنع الخبز؟"ص15 16. فالمعنى في ترجمة سحر أحمد في متناول اليد أكثر مما هو في ترجمة بول شاوول. لعل السبب يعود الى اللغة الوسيطة الفرنسية التي ترجم عنها شاوول، في حين أن سحر أحمد ترجمت مباشرة عن الإسبانية... ومع ذلك، فالشعرية في النصين، حاضرة.

اما المقارنة الأخيرة، في هذه اللعبة، فمأخوذة من قصيدة واحدة عرّبها كل من حسن حمادة وأحمد موسى معًا عن الفرنسية، وعرّبها بول شاوول عن الفرنسية أيضًا، حيث ثمة فروق تظهر من خلال المقارنة. القصيدة هي "الريح في الجزيرة" من مجموعة "أشعار الكابتن" لنيرودا، يترجمها حسن حمادة وأحمد موسى بصيغة الجمع "الرياح في الجزيرة"، ولا فرق ايحائيًا على كل حال، لا فرق يذكر، بين الريح والرياح، يكتب شاوول: "أصغي لريح حصان/ كم يجري عبر البحر والسماء/ ولكي يأخذني/ أصغي كم يعبر العالم/ ليأخذني الى البعيد/ خبئيني في ذراعيك/ هذه الليلة المستوحدة/ بينما يجرح المطر/ في البحر في الأرض/ بلا عدد/ فمه..." ص 111.

جين يكتب نيرودا في الحب، لماتيلدا بخاصة، آخر محبوباته وأعظمهنّ، فإنه يفجّر كل السحر والمخيّلة في كلماته

المقطع نفسه يترجمه موسى حمادة، كالآتي: "هذا الريح جواد/ أصغي إليه كيف يعدو/ عبر البحر والسماء/ يريد أن يأخذني/ استمعي إليه كيف يعربد/ وهو يجوب العالم/ لكي يأخذني بعيدًا/ خبئيني بين ذراعيك/ فقط هذه الليلة ما دام المطر يحطم فمه اللامحدود/ فوق الأرض والبحر" ص 55.

اقرأ/ي أيضًا: ماناش باتاشارجي: قصيدة الأسئلة.. على خطى بابلو نيرودا

ثمة اختلاف بين النصين، وهو اختلاف أكيد... ثمة فرق شعري بين "أصغي لريح حصان" و"هذا الريح جواد"، وفرق شعري آخر بين "المطر يحطم فمه اللامحدود" و"يجرح المطر بلا عدد، فمه".

الفروق في اللغة تنعكس على قيمة الإيحاء الشعري. ومع ذلك، فإن روح نيرودا الهائلة كأجنحة طائر خرافي كالرخّ، ترف فوق الأشعار، على اختلاف الصيغ والكلمات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثلاثة شعراء ومرثية واحدة

موتٌ عاهر