نيرانها تشعل الإقليم.. الطائرات المسيّرة تعود إلى سماء العاصمة السودانية
6 مايو 2026
بدا للمراقبين أن "كل شيء هادئ على الجبهة الشرقية"، قبل أن تعود سماء العاصمة السودانية الخرطوم، من جديد، مسرحًا يتجاوز هذه المرة الصراع المسلح بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، إلى اتهامات متبادلة بين السودان وإثيوبيا، وبينهما مصر.
ما حدث، حين تجاوزت الطائرات المسيّرة الاستراتيجية أجهزة الرصد والمتابعة ووصلت إلى قلب المدينة، قبل أن تعترضها الدفاعات الجوية عند اقترابها من المطار، أربك المشهد الداخلي والأممي بشكل أكبر، ما اضطر المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إلى القول في المؤتمر الصحفي اليومي إن "استهداف مطار الخرطوم أدى إلى إلغاء الرحلات الجوية".
وقبل أن تنجلي سحابة دخان الضربات الجوية عن السماء، اشتعلت حرب التصريحات الرسمية، التي ابتدرتها حكومة الخرطوم بمؤتمر صحفي شارك فيه وزير الخارجية والتعاون الدولي، محي الدين سالم، إلى جانب وزير الثقافة والإعلام والناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، حيث اتهمت دولتي إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة بالضلوع في الهجوم على مطار الخرطوم، واعتبرته امتدادًا لسلسلة من الهجمات بواسطة مسيّرات إماراتية استهدفت مناطق عديدة في السودان خلال الفترة الماضية، ونقطة انطلاقها مطار مدينة بحر دار الإثيوبية.
ما حدث، حين تجاوزت الطائرات المسيّرة الاستراتيجية أجهزة الرصد والمتابعة ووصلت إلى قلب المدينة، قبل أن تعترضها الدفاعات الجوية عند اقترابها من المطار، أربك المشهد الداخلي والأممي بشكل أكبر
بدورها، ردت الحكومة الإثيوبية بشكل فوري على اتهامات الخرطوم، وقالت إنها لا أساس لها من الصحة، مؤكدةً العلاقات التاريخية التي تربط شعبي السودان وإثيوبيا. ولم تكتفِ بذلك، بل اتهمت الخرطوم بارتكاب انتهاكات جسيمة طالت أراضيها، ارتكبها ما أسمته "بعض المتحاربين" في الحرب الأهلية السودانية، وأشارت في ردها إلى استخدام مقاتلي جبهة تحرير شعب تيغراي، المناوئة للحكومة الفيدرالية الإثيوبية، في الحرب الداخلية، وأن السودان أصبح مركزًا لقوى مختلفة معادية لإثيوبيا. كما اتهمت الحكومة الإثيوبية أطرافًا خارجية تسعى إلى تحقيق أجندتها الخاصة بالوقوف وراء اتهامات الخرطوم لها.
وفي تطور يزيد من اشتعال الأزمة ويخرجها من حدودها الداخلية، أدانت مصر استهداف مطار الخرطوم الدولي بالطائرات المسيّرة، واعتبرته انتهاكًا للسيادة الوطنية للسودان، معربةً عن قلقها من انطلاقها من أراضي إحدى دول الجوار.
ما الذي حدث صباح الاثنين؟
لم يمضِ يومان على تصريح رئيس وزراء حكومة "الأمل"، كامل إدريس، بأن الخرطوم آمنة ومستقرة، والذي يبدو أنه اقتبسه من عنوان الرواية الشهيرة "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" للكاتب الألماني إيريك ريمارك، حتى فوجئ المواطنون بتصاعد أعمدة الدخان في محيط المطار الرئيسي في الجانب الشرقي للمدينة.
تصريحات رئيس الوزراء المطمئنة، على الرغم من عودة المسيّرات للتحليق في أطراف العاصمة، لها ما يبررها؛ فقد شهدت العاصمة فترة من الهدوء الملحوظ بعد المعارك الضارية التي جرت في مختلف أنحائها برًا وجوًا، منذ إعلان الجيش السوداني أنها خالية من قوات الدعم السريع في أيار/مايو من العام الماضي، عقب الانسحاب الكبير لتلك القوات واتجاهها غربًا.
هذا الهدوء خلال الشهور الماضية كانت له آثاره المباشرة على اتخاذ أعداد مقدرة من النازحين واللاجئين قرار العودة إلى مساكنهم في الخرطوم والمناطق المحيطة بها، خاصة ولايتي الجزيرة وسنار. وكانت الرسالة الأقوى أن تقرر وكالات الأمم المتحدة العودة إلى ممارسة أعمالها وأنشطتها من مكاتبها في الخرطوم، حتى قبل أن تستكمل العديد من وزارات الدولة ترتيبات عودتها إلى مقارها الرئيسية، بعد أن لجأت إلى مباشرة مهامها خلال السنوات الثلاث من العاصمة المؤقتة بورتسودان شرقي البلاد.
على الرغم من استمرار استخدام الطيران المسيّر كسلاح ضمن أسلحة القتال من قبل الطرفين في مناطق كردفان ودارفور، وكذلك استهداف مواقع في النيل الأزرق والنيل الأبيض في سياق التطورات العملياتية اليومية، إلا أن العاصمة شهدت ذلك الهدوء غير المعلن عن طبيعته. لكن ما بدا وكأنه اتفاق بين الأطراف المتحاربة، وبضغط دولي، على تحييد العمل العسكري في العاصمة خلال الشهور الماضية، نسفته عودة تحليق الطائرات المسيّرة واستهدافها منطقتين في أطراف المدينة خلال الأسبوع الماضي.
في العملية الأولى، استهدفت مسيّرات انتحارية تابعة لقوات الدعم السريع منطقة جبل أولياء جنوبي الخرطوم، وتسببت في إصابة مركبة عسكرية دون تسجيل إصابات وسط المدنيين. وفي الثانية، استهدفت المسيّرات منطقة صالحة جنوب أم درمان، إحدى مدن العاصمة الثلاث، وتسببت في إصابة عربة مدنية ومقتل خمسة أشخاص على متنها.
في رصد لاستخدام الطيران المسيّر منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان/أبريل 2023، لم تكن الطائرات المسيّرة سلاحًا رئيسيًا في جبهات المعارك المختلفة؛ فطوال عام 2023 كان القتال بين الطرفين يعتمد على الاشتباكات البرية والقصف المدفعي والضربات الجوية التقليدية، وكانت الأخيرة تحت سيطرة الجيش السوداني دون قوات الدعم السريع.
وشهد عام 2024 استخدام الطائرات المسيّرة كسلاح قتالي، ولكن بصفة عامة خارج نطاق العمليات في العاصمة القومية، إذ تم استخدامها في ولايات دارفور وكردفان، بينما شهدت الخرطوم ضربات محدودة استخدم فيها الطيران المسيّر، ولم يكن وقتها سلاحًا حاسمًا.
أما التطور الأبرز في استخدام الطيران المسيّر كسلاح فعّال في العمليات في الخرطوم، فبدأ في عام 2025، وكانت أهم رسائل استخدامه نفسية أكثر منها ضربات مؤثرة على عصب القوات المتقاتلة. فقد شهد شهر أيار/مايو من العام نفسه، عقب انسحاب قوات الدعم السريع من العاصمة، بداية التصعيد باستخدام هذا السلاح، والذي استهدف البنية التحتية في المدينة من محطات كهرباء ومنشآت حيوية، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي والمياه.
وفي أيلول/سبتمبر من العام نفسه، استهدفت قوات الدعم السريع بعض المواقع العسكرية، لكن التطور الأكبر شهده شهر تشرين الأول/أكتوبر، عندما استهدفت المسيّرات المطار الدولي للسودان، مما أدى إلى تأجيل افتتاحه أكثر من مرة. ومن ثم شهدت الشهور التالية هدوءًا ملحوظًا في الخرطوم، في مقابل تصعيد متواتر في جبهات القتال الأخرى.
لذلك يُعد ما جرى ظهر الاثنين الرابع من أيار/مايو التحول الأبرز على صعيد العمليات العسكرية، إذ استهدفت الطائرات المسيّرة الانتحارية هذه المرة عمق العاصمة ومركز عصبها المتمثل في مطار الخرطوم. فبعد أن عادت الحركة إلى المطار بعد غياب ثلاث سنوات ونيف، وبدأت الروح تعود إلى مدرجاته، بل وشهد أول رحلة طيران لشركة تجارية من الخرطوم مباشرة إلى القاهرة، في أول رحلة من نوعها بعد أن كانت الرحلات الجوية الخارجية تحط رحالها في مدينة بورتسودان أولًا.
هذه الخطوة تحتمل قراءتها وفقًا لمجريات الأحداث من زاويتين؛ فهي بالضرورة ستعيد العاصمة مرة أخرى إلى العزلة الدولية، وتثير المخاوف لدى النازحين واللاجئين والمستثمرين من العودة. الزاوية الأولى ربما تأتي في إطار مزيد من الضغوط على حكومة البرهان من أجل الوصول إلى تسوية سياسية في أقرب وقت، خاصة بعد التطورات الأخيرة في صفوف قوات الدعم السريع وانسلاخ قيادات مهمة ومؤثرة منها. أما الثانية فتشير إلى أن الحرب ما زالت مستمرة، وأنه لا مناطق ولا أحد آمن في السودان، طالما أن يد الطائرات المسيّرة الاستراتيجية قادرة على الوصول إلى أي مكان.










