نوميديا.. سرديات من المخيال الأمازيغي

نوميديا.. سرديات من المخيال الأمازيغي

طارق بكاري (خير الدين مبارك)

لا تزال الرواية العربية بتنوعات المخيال السردي التي تُصدر للقارئ العربي، تعتمد على ثالوث "الدين، الجنس، السياسة"، على اعتبار أنها الأصنام التي يحاول المثقفون العرب  كسرها، وتقديم ما هو مختلف عن الواقع الروائي في العالم العربي.

لا تزال الرواية العربية تعتمد على ثالوث "الدين، الجنس، السياسة" على اعتبار أنها الأصنام التي يحاول المثقفون العرب  كسرها

لم تخرج رواية "نوميديا"، للروائي المغربي طارق بكاري، عن النسق العام للحالة السردية التي تعيشها الرواية العربية بشكلها العام، رغم اعتماده على تداخلات عديدة في نوعية الحبكة الروائية، أضفت على الرواية تنوعًا ملحوظًا، من ناحية الحالة السردية التي اشتغل عليها الروائي، بصوت مراد بطل الرواية.

اعتمد بكاري على الخيانة كمسند لسرد حكايته، بدءًا من حكاية مراد/ أوداد بطل الرواية، الذي وجده أحد سكان مدينة "أغرم" مرميًا على قارعة الطريق، قبل أن ينتقل إلى مدينة فاس مع أحد المتنفذين الذين يبحثون عن طفلٍ للتبني، هكذا تبدأ خيوط الرواية بالتصاعد تدريجيًا عند معرفة أن مراد تسبب بانتحار حبيبته خولة، التي كانت حاملًا بطفل من علاقتهم.

اقرأ/ي أيضا: مديح لنساء العائلة.. العشيرة تدخل الحداثة

يتنوع السرد خلال الفصول اللاحقة للرواية، عندما نجد أننا أمام رواية ومخطوطين، حيثُ أنه إضافة للمتن الروائي الذي يسرده مراد، نقرأ فصولًا من مذكرات خولة التي تركتها قبيل انتحارها، واعترافات الروائية الفرنسية جوليا ك، التي وصلت إلى المشرق العربي للبحث عن قصة مختلفة لروايتها الجديدة، وأشعار الرفيقة اليسارية نضال، التي وجدت في علاقتها السرية مع مراد نوعًا من النوستالجيا المفقودة منذ انتهاء أيام النضال الجامعي.

عند التوسع في فصول الرواية، نلمس في شخصية مراد عدم الاستقرار في حياته العاطفية، وإن كانت زاخرة من الناحية الجنسية، فهو منذ الفتاة الأولى حياة، إحدى فتيات بيوت الهوى، والتي أحبها إلى أن اختفت فجأة، وصولًا إلى جوليا ك، التي دفعت مبلغًا ماليًا لطبيبه النفسي للحصول على ملفه الشخصي، وعملت على تعميق صداقتها معه، التي تحولت في فصول الرواية إلى علاقة حبٍ عاصفة، رغم استعمالها الحقن لتحريضه على الحديث أكثر عن ماضيه، وقبول مراد بهذه اللعبة، رغم معرفته بأنها ستعجل من موته.

في فقرات كثيرة من "نوميديا" يلمس القارئ إطالة في السرد، وخروج عن السياق العام لمفاصل القصة الرئيسية

النساء والتهديدات التي كان يستقبلها من القوى المتطرفة في المغرب، وسيرته الذاتية المتشابكة الأطراف، هي عوامل مفصلية في أحداث الرواية، ما جعلها متداخلة الخطوط والمصائر، ومن ضمنها عودته الدائمة لتذكر صديقه الذي قتل على يد القوى المتطرفة.

اقرأ/ي أيضا: حارس الموتى.. لو لم تحدث الحرب

يتداخل في الرواية أيضًا المخيال الأمازيغي، بظهور "نوميديا"، وهو اسم لإحدى الملكات الأمازيغيات، فتاة جميلة صماء تظهر على ظهر حصان، تجعل مراد يصاب بلوثةٍ منها، وهنا نقطة مفصلية تسجل لصالح البكاري، الذي لم يكشف عن إن كان ظهور الملكة الأمازيغية حقيقًة أم خيالًا، لكن مرحلة ظهورها واختفائها السريعين، كان لهما دورًا كبيرًا في تعجيل موته.

في فقرات كثيرة من الرواية، يلمس القارئ إطالة في السرد، وخروج عن السياق العام لمفاصل القصة الرئيسية، من خلال عملية التكرار والاسترسال في السرد الذي أصبح اعتياديًا في الصفحات اللاحقة للقارئ، والتي بات على دراية تامة بها، بعد تجاوزه للصفحات المائة والخمسون الأولى، حيث كان من الممكن الاستغناء عنها.

أيضًا في علاقات مراد الجنسية مع عشيقاته النساء، نجد تكرار في معظم المشاهد التي تجمعه مع عشيقاته نضال التي ظهرت في مكان إقامته في أغرم لليلة عابرة، لتعود بعدها إليه مستأجرة غرفة في ذات الفندق الذي يقطنه، من أجل علاقتهم الغرامية، وعلاقته مع جوليا ك، حبيبته التي تقطن في ذات الغرفة.

اقرأ/ي أيضا: مصائر.. رواية بأجوبة مستعملة

كذلك نقرأ في كلمات مثل "فحولتي، أدمنتني"، تكرار دائم في معظم سطور الرواية، إذ أنه لم يغب يوم عن مراد وإلا كان الجنس حاضرًا خلاله، حتى أثناء نومه، ربما يكون المرض زاد من فحولة البطل الجنسية، لكن ذلك لا يعني أن يتكرر المشهد الجنسي، في معظم صفحات الرواية، حتى يمكن أن نجد تشابهًا في وصف العملية الجنسية، وجمالية الجسد الفرنسي/ المغاربي في أكثر من صفحة.

إلا أنه وعلى الرغم من الإطالة السردية، يوجد في الصفحات الأخيرة من الرواية نوعٌ من الإثارة الحاضرة، ومنها اعتراف جوليا بأنها هي من كان يرسل له تهديدات القتل الموقعة باسم القوى المتطرفة، في محاولة منها لاكتشاف ردات فعله، وإسقاطها على روايتها التي تكتب فيها سيرته الذاتية، واعترافها الثاني بأنها أدمنت شخصية مراد الوعل، وليحصل لها ما حصل لمراد في علاقته مع خولة، صحيح لم يكن الانتحار نهايتها، لكنها في النهاية تصل إلى مرحلة الانهيار النفسي.

تبدو الصراعات النفسية التي قدمها طارق بكاري في عمله الروائي الأول مليئة بالخيانات، والهزائم المتتالية، الخيانات حاضرة بشكل قوي، وطريقة سردية متشابكة الأطراف، الجميع يقع في فخ الخيانة، الجنسية والاجتماعية، لكن في النهاية إطالة السرد جعلت من الرواية، التي يمكن اعتبارها أمازيغية بامتياز، مملةً في العديد من الصفحات، قبل أن تعود إلى صدمة الخيال المغاربي في صراعه مع الغرب في صفحاتها الأخيرة، مع انهيار شخصياتها تباعًا.

اقرأ/ي أيضًا:

سماء قريبة من بيتنا.. مرايا الأمكنة والشتات

عطارد.. القتل من وجهة نظر قناص الداخلية