ultracheck
  1. ثقافة
  2. أدب

"نوبة حراسة الأحلام" .. حين تصبح الأحلام مادة خامًا للكتابة عن السينما والأدب

10 ديسمبر 2025
book-web-sawt.jpg
غلاف الكتاب (ألترا صوت)
يارا أبو زيديارا أبو زيد

أتردد كثيرًا عندما يسألني أحدهم عن سر حُبي الجارف للأدب والسينما، وماذا أستفيد حقًا من قراءة بعض السطور ومشاهدة بعض الأفلام "البعيدة عن الواقع" على حدّ تعبيرهم -وخصوصًا واقعي الخاص- والحقيقة أنني لحظتها لا أشعر سوى بالشفقة على طارحي هذه الأسئلة؛ هؤلاء الأشخاص المحرومين من متعة تذوّق تجارب بشرية أُخرى تثقل تجربتهم وحياتهم الخاصة. فكيف تصف لهم تجربة الانغماس في عالمٍ آخر يبدو لك الأقرب إلى عالمك الداخلي مما تعيشه كل يوم؟ كيف تشرح لشخصٍ لحظة سماع أو قراءة جملة تلمس أوتار قلبك لدرجة أنك تقف أمامها بضع دقائق لترددها أو تسجلها، وكأنك كنت تبحث عن هذه الجملة طِيلة حياتك؟ ناهيك عن معرفة بأن ما تشعر به من حيرةٍ وخوفٍ وقلقٍ في هذا العالم الغريب ليس بأمر شاذ، وأن تساؤلاتك وأفكارك التي تخجل من قولها علانيةً استطاع شخص آخر من حِقبة أُخرى أن يصنع منها فنًا.

لكن بالطبع لن أستطيع أن أجيب عن كل ذلك في مواجهة هذه الأسئلة، وفي رحلتي للبحث عن الإجابة المُثلى لها، فكرت في أن أجيبهم ببساطة أنه غذاء للروح والقلب والعقل، ولا يوجد ما يضاهيه، لكن اليوم أظنني وجدت إجابة أخرى أعمق وأرق بكثير - وربما أقل تعاليًا من الجواب السابق - فقط سأخرج من جيبي نسخة من كتاب "نوبة حراسة الأحلام" (دار ديوان) للكاتب حسام السيد ثم أضعها بين أيديهم، وأغادر في مشهدٍ يشبه مغادرة البطل موقع القتال بعد رمي قنبلة على أعدائه، وهو يغادر مزهوًا ببراعته بالرحيل في الوقت المناسب بلا خدش واحد. لكن الفرق هُنا، أنني لن ألقي عليهم قنبلة تدمر، بل تزهر، فهي قنبلة من الجمال والرقة والعذوبة، ستجعلهم يتساءلون كيف قضينا هذا العمر كُله من دونها؟

يُصنَّف كتاب "نوبة حراسة الأحلام" نفسه بأنه "كتابة ذاتية"؛ إذ يكشف فيها الكاتب عن أحلامه التي ترتبط دومًا بالسينما التي استعان بيها طِيلة حياته في محاولة للتخلص من الأرق والنوم بسلامٍ، لذا ليس غريبًا أن تتسلل الأفلام إلى أحلامه، ويجد نفسه في أحد مشاهدها، جالسًا بجانب أبطالها أو مخرجيها. ومن ثم يستعين بهذه الأحلام كخلفيةٍ لنصّوصه عن السينما والأدب، والأهم حياته الخاصة وذكرياته عن حبيبته السابقة، وعائلته وبالأخص والدته، رحمها الله، التي تُعدّ ضيفة دائمة في أحلامه، وكتاباته.

والمثير للاهتمام أنه على الرغم من ذِكر الكاتب: كيف خلق مبدعون مثل ستيفن كينج وتيم بورتون عوالمهم الخاصة عن طريق تشبيه فصول من حياتهم بأمرٍ آخر، كما فعل كينج مع إدمانه في روايتي "البريق" و"بؤس"، أو نظرة تيم بيرتون لنفسه كطفل منطوٍ غير قادر على تكوين علاقات اجتماعية لغرابته مع فيلم "Edward Scissorhands" إلا أن الكاتب يكتب بشجاعة شديدة، فلم يختبئ وراء المجازات والاستعارات مثلهم، ولم يخشَ ذكر أحداث مؤلمة من حياته، مثل ندمه على عدم تمضية الوقت مع والدته قبل وفاتها المفاجئة، بسبب رغبته في قراءة أعمال فرناندو بيسوا، وهو سبب إطلاقه اسم "إنجيل بيسوا" على روايته الأولى.

يُصنَّف كتاب "نوبة حراسة الأحلام" نفسه بأنه "كتابة ذاتية"؛ إذ يكشف فيها الكاتب عن أحلامه التي ترتبط دومًا بالسينما التي استعان بيها طِيلة حياته في محاولة للتخلص من الأرق والنوم بسلامٍ

في أحد نصوصه، يذكر الكاتب قول الشاعر مجدي نجيب في مقابلةٍ إن الصدق وحده هو الذي يمنح الفن الأبدية، وأظن أن الصدق هو أفضل وصف لهذا الكتاب، حتّى وإن لم تكن مهتمًا بالسينما والأدب. خاصة وأن هذا النوع من الكتابات الذي يدمج بين التجارب الذاتية شديدة الخصوصية، والتحليلات العامة لأعمالٍ إبداعية هو أمر نادر جدًّا. لكن بفضل عذوبة الأسلوب والسلاسة والصدق، يمكن لأي شخص أن يقرأ هذا الكتاب ويقع في غرامه فورًا، لأنه أولًا وأخيرًا يتناول عالم شخص آخر مليء بالحكايات والأحلام والأفكار والآراء المكتوبة بجمال يضاهي الأعمال المذكورة، بل وقد يضفي عليها جمالًا خاصًا، فيقول، على سبيل المثال لا الحصر:

"ليخلق كمال ما، لا بد من وحشية".

"لا يفطن كثيرون إلى قيد القصة المثالية عندما نتجرعها في طفولتنا باعتبارها العالم".

"أنا أنتمي إلى جيل كامل حطمته ثورته عندما خرج أبطاله مثل دون كيشوت يحاربون طواحين الهواء بخريطة قلوبهم لا خريطة العالم الذي يفغر فاه لابتلاعهم."

"قليل من الشعر يجعل كل شيء ملحميًا".

"تصنع أمي الندبة وبتفانٍ ساحر تزيلها بفعل حُب في اليوم التالي".

"الحُب هو الرحمة الوحيدة التي تعدك أنك باختبارها تكون اختبرت طيفًا من كل ما يبحث عنه البشر في كل بقعة وزمن، فمن أحب إنسانًا فكأنه أحب الناس جميعًا".

وأخيرًا: "الأحلام مملكة تؤوي ذاتنا الحقيقية".

يوّضح المؤلف استخدامه للأحلام كوسيطٍ باستحضار مقولة فيليني الشهيرة بأن الحديث عن الأحلام يشبه الحديث عن السينما. ولم يكن فيليني، بالطبع، هو المخرج الوحيد الذي ربط بين الأمرين. فقد أكد إنغمار بيرغمان ذات مرة على أن جميع أفلامه أحلام، لأن الأحلام بحد ذاتها عملية إبداعية، مصنوعة من نفس المواد الخام التي تتكون منها السينما، أي من كل ما رآه، وسمعه، وما شعر به.

ومن هذه الزاوية تحديدًا اختار المؤلف أن ينهي كتابه. فهو يُقرّ بأنه لا يستطيع الجزم ما إذا كانت الأحلام والذكريات التي رواها دقيقة تمامًا، أم تدخل فيها عقله المحرر بعد اليقظة. لكن لا شيء من ذلك يُهم، كما يقول، لأن المشاعر كانت حقيقية، فقد شهد قلبه كل ما حدث، وهذا يكفي.

وهكذا يختتم نوبة سهره على الأحلام، ويترك موقعه الهادئ على الحدود بين السينما والحلم بعدما نهل منها كل ما وهبته إياه تكريمًا له كمُشاهِد صادق مُحب، وكان كريمًا كفاية ليقدمه لنا في كتابه هذا.

كلمات مفتاحية
tsamym-altra-wyb-qyas-jdyd.png

قصائد حسن عامر.. عن النسيان الدرامي ومواجهة مسرحة الحياة

قراءة في تجربة الشاعر حسن عامر

book-web-sawt.jpg

"الأرض التي ملكت قلبي" .. محاولة غير مقنعة لتكريم أبطال لم يتوقف عندهم التاريخ

مراجعة رواية "الأرض التي ملكت قلبي" للكاتب المصري محمد المشد

2559.jpg

مراسلات بين وليام جولدنج ومحرره تكشف كواليس صناعة أعماله الأشهر

مراسلات بين وليام جولدنج ومحرره

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية