نمط المنصة.. المرحلة الثالثة في الرأسمالية

نمط المنصة.. المرحلة الثالثة في الرأسمالية

هاني عباس/ فلسطين - سوريا

في كتاب "منصات رأسمالية" (Platform Capitalism)، يفاجئنا الباحث الكندي نيك سرنيك بقوله إنّ تسميات مثل "مجتمع التقنية"، التي كُتب لها الشيوع والسيادة بعد سلسلة من التسميات التي انتهى أمرها، ليست حقيقية أبدًا، فمساهمة شركات التواصل والتكنولوجيا ضعيفة في الاقتصاد الأمريكي، ونسبة العمّال فيها لا تتعدّى 2.5% من مجمل عمال الولايات المتحدة، وأنّ إسهامها الاقتصادي ككلّ هو 6.8%.

عن هذه الصورة المضخّمة يسرد لنا أرقامًا عن عدد العمّال، ففي غوغل حوالي 60،000 موظفًا، أما فيسبوك فلديها 12000 موظفًا، في حين كان يعمل في واتساب قبل بيعها إلى فيسبوك 55 موظفًا، وفي أنستغرام 13 شخصًا، أيضًا قبل بيعها.

بلغة الأرقام؛ 96% من عمل فيسبوك هو دعاية، أما نسبة الدعاية في عمل غوغل فـ89%

لنضف على ذلك، ما دامت عبارة "مجتمع التقنية" توحي بأن الجميع يعملون في هذا المجال، أو يستعمل المنتجات التي تصدر عن هذا المجال، فالأمر نفسه يصحّ أن يقال عن المفروشات والملبوسات والسيارات. الكل يستعملها دون أن يسمي المجتمع أو المرحلة بها.

اقرأ/ي أيضًا: المنصّات فقاعة وهمٍ

لا شكّ في أنّ التسمية مفروضةٌ بقوّة الترويج المدعومة بالأرضية النفسية التي توفرها التقنيات للنشر، وبالأبحاث التي تدعمها شركاتها بالتعاون مع كبرى الجامعات التي تنتج تلك المقولات، إضافة إلى الدعايات المختلفة في وسائل الإعلام بأنواعها التي ستظل تؤدي مهماتها الإعلانية.

يعود سرنيك إلى النمطين الرأسماليين الأساسيين: الفوردية، وما بعد الفوردية، ليضع المنصة كتعبير عن مرحلة جديدة. فإذا كانت الفوردية قد امتدت بين عامي 1920 إلى 1980، واستمرت ما بعد الفوردية إلى العقد الأول من الألفية الجديدة، فإن المنصة، بمختلف أشكالها: فيسبوك وتويتر وغوغل وأمازون وسواها، هي مرحلة جديدة تعنون انتقال الاقتصاد الرأسمالي من المجال الصناعي إلى المجال الرقميّ.

المنصات بُنى تحتيّة رقميّة تمكّن شخصين أو مجموعتين من التفاعل. إنها وسيط بين مستخدمين مختلفين: عملاء، معلنين، مزودي خدمات، وحتى بضائع. تحتوي هذه المنصات على مجموعة من الوسائل التي تمكن مستخدميها من بناء منتجاتهم، خدماتهم وأسواقهم. مثلًا ميكروسوفت تتيح لمطوري البرامج إنشاء تطبيقات لبيعها للمستخدمين. شركة آبل تفعل المثل. محرك البحث غوغل يقدّم منصة للمعلنين ومحتوى للباحثين عن معلومات. تطبيق أوبر يمكّن السائقين والركّاب من تبادل توصيلات مقابل المال، عدا عن خلق سوق من تحت الى فوق. قوة المنصة تكمن في إتاحتها هذه البنية التحتية التي تمنحها الأفضلية والتفوق على نماذج الأعمال التقليدية، ولأن الموضوع يتعلق ببيانات المعلومات، فالمنصة لديها امتياز تسجيل محتوى التبادلات، وبما أن الصناعات تقوم بنقل حركتها إلى العالم الرقميّ، فالمتوقع أن المزيد من الأعمال ستكون رهن تطور المنصات.

سجلت ما بعد الفوردية مفارقتها عن الفوردية بأشكال متعددة، أهمها كان في الاستعانة بالخارج، كاستعمال مصانع في الهند أو بنغلادش، الأمر الذي قاد شركات كبرى إلى الاختفاء من الوجود واقتصار وجودها على مكاتب صغيرة للتسويق، وبوجود المنصة الآن لن تحتاج هذه الشركات حتى إلى مكاتب التسويق، فعلى ما يبدو أن الاقتصاد العملاق سيتخفف من مختلف أشكال الأنفاق، وسيقتصر عمله على حصد الأرباح فقط.

لاحظ سرنيك أن المنصة تعتمد التفاعل فتزداد قيمتها كلما ازداد مستخدموها، لأنّ المعلومات تكثر مع كثرة الطلب، وبالتالي تتحسّن الخدمات كثيرًا، وهو ما سيقود مرحلة اقتصاد المنصة إلى المضي ليكون احتكاريًا. فلأجل جلب أكبر عدد من الناس، لا بدّ لهذا الاقتصاد من تقديم خدمات مجانية، مثل "فيسبوك ماسنجر" و"Gmail". هكذا تُستقطب أعدادٌ كبيرة، وتُرفع أسعار الإعلانات.

في هذا الصدد، علينا أن نركّز على عمل المنصة الحقيقي، من خلال النسبة التي تحتلها الإعلانات من حجم عمل المنصات الكبرى العام. 96% من عمل فيسبوك هو دعاية، أما في غوغل فـ89%.

تسجّل الخدمات المجانية تطورًا جديدًا لم تعرفه الفوردية ولا ما بعد الفوردية. وهذه الخدمات تأخذ أشكالًا عديدة، فمثلًا تباع ملفات الكيندل على موقع أمازون بسعر التكلفة، ما يجعل الناس يظلون مقبلين عليه، وبالتالي يتصفحون قوائم مقترحاته القائمة على دراسة اهتماماتهم وميولهم من خلال تحليل البيانات. لم تعرف الفوردية ولا ما بعد الفوردية الكثير أو القليل عن الزبائن، فيما يُعرف في نمط المنصة عن الشخص أكثر مما يعرف عن نفسه، من خلال دراسة حياته وتحركاته، ومعرفة جنسه ولغته ومكان إقامته وميوله الجنسية وعلاقاته الاجتماعية... إلخ.

تأخذ المنصات أشكالًا متعددة، منها منصات تواصل: فيسبوك، تويتر، ومنها منصات تعاونية: أوبر، و"Airbnb"، ومنها منصات منتجات: أمازون، إيباي. ناهيك عن منصات الصحة والألعاب والعلاقات العاطفية. كلها تهتم بجمع البيانات، وشراء المزيد من التطبيقات، وتحقّق من خلال ذلك أرباحًا فلكية.

لاحظ سرنيك أن الرأسمالية في نمط ما بعد الفوردية اتجهت إلى بيع أجزاء منها، لكنها في نمط المنصات لا تمتلك ما تبيعه، خصوصًا مع أوبر و"Airbnb"، فـ"أكبر شركة تاكسي في العالم لا تمتلك سيارة تاكسي واحدة، وأكبر شركة فنادق لا تمتلك أي فندق"، كما يقول.

أكبر شركة تاكسي في العالم لا تمتلك سيارة تاكسي واحدة، وأكبر شركة فنادق لا تمتلك أي فندق

المنصة تسير نحو الاحتكار، وذلك لطبيعة التهام البيانات، وبالتالي هندسة أمزجة ونفسيات البشر، ولهذا صارت محركات البحث ملكًا لغوغل، فيما يسير فيسبوك على طريق الاستيلاء على السوشيال ميديا، من خلال شرائه التطبيقات، مما نعرف ولا نعرف، من أجل تسخير بياناتها في خدمته، ليصبح منبرًا حصريًا في مجاله.

اقرأ/ي أيضًا: صناعة الإنسان المعاصر

المنصات في طريقها إلى الاحتكار إذًا! لنعدْ بالزمن إلى الوراء قليلًا، ولنسأل فكر الليبرالية الجديدة: أين التعددية؟ ماذا حلّ بالاختيار الحر؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

تعرّف على كلّ الطرق التي تتعقبك بها غوغل وكيفية إيقافها

كاثي أونيل: الرياضيات "ستربتيز" مجاني