نماذج من

نماذج من "الحرب الناعمة" ضد الإرهاب

من "داعش تشان"

تشهد المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي منذ سنوات مبادرات ومشاريع بهدف محاربة التنظيمات المتطرفة. في موازاة الحرب الميدانية لهزيمة تنظيم داعش وحركات أخرى مشابهة، تدور معركة "القوة الناعمة". ولا يبدو أن المعسكرات المناهضة لهذه التنظيمات في موقع المنتصر في هذه المعركة رغم الإمكانيات الكبيرة لديها. فقد أربكت "القوة الناعمة" لتنظيم داعش البرامج المشابهة التي تستهدفها. وبات عالم الإنترنت يعج بالمواد والصور ومقاطع الفيديو لخدمة الدعاية التي يبثها التنظيم.

لا يبدو أن المعسكرات المناهضة للتنظيمات المتطرفة في موقع المنتصر في هذه المعركة التي تخوضها ضدها إعلاميًا

مؤخرًا باتت تظهر حملات مضادة لإعلام داعش، مثل المبادرة التي أطلقها مركز "صواب" في الإمارات، وهي حملة على منصات التواصل الاجتماعي بهاشتاغ "#أتباع_الضلال"، والتي ترمي لفضح الأساليب التضليلية التي يعتمدها التنظيم، وتحديدًا في مسألة تجنيد المقاتلين.

اقرأ/ي أيضًا: مصر بين إرهاب الدولتين.. داعش والعسكر

ومن أحدث الحملات ما أعلنته قناة "إم بي سي" عن عرض مسلسل "غرابيب سود" خلال شهر رمضان. وبحسب "برومو" المسلسل ومشاهد بثها الموقع الالكتروني لصحيفة "نيويورك تايمز" فإن المشاهد التي تم تصويرها في لبنان تحاكي أحداثًا واقعية. وهناك تركيز على دور المرأة في التنظيم خلال مسلسل "غرابيب سود" وكذلك حوارات بين زوجات المقاتلين وسبايا إيزيديات. 

لا يمكن الحكم على مسلسل "غرابيب سود" من خلال بضعة دقائق مقتطعة للترويج، لكن من خلال متابعة الآليات المعتمدة حتى الآن في محاربة الدعاية الإرهابية فإن النجاحات كانت محدودة. وقد يكون المسلسل الذي يوصف بأنه "قنبلة الموسم" اتبع الآليات السائدة في القول إن داعش تنظيم شرير.

وفي واحدة من المشاهد التي تم بثها من مسلسل "غرابيب سود" تظهر مجموعة من نساء داعش في إحدى الأسواق. وهنا تظهر ثلاثة اتجاهات: الأول امرأة تبيع صحونًا عليها نقوش للحيوانات، وتمثل المرأة المضطرة للبقاء في مناطق التنظيم والكفاح من أجل كسب عيشها. وهناك المرأة الداعشية التي تحاول التغاضي عن مصادرة الصحون "الحرام"، وهي تمثل المرأة المنخرطة في التنظيم لكنها تكتشف ضلاله. والاتجاه الثالث المرأة التي تطلق النار من مسدسها على بائعة الصحون، وهي تمثل المرأة الدموية في التنظيم. وفي مشهد آخر يظهر عدد من الأطفال، بينهم أبكم، يطلقون النار على أسرى مقيدين. 

مسلسل "غرابيب سود" هو الأول من نوعه كدعاية مضادة لتنظيم داعش، وهي خطوة تفتح الباب أمام اقتحام الدراما الحرب الإعلامية وانضمامها إلى أدوات "القوة الناعمة" المناهضة للإرهاب، والمسلسل قد لا يكون مادة مثالية غير أنه يفتح الباب أمام معالجات أكثر عمقًا بعيدًا عن تكرار فكرة واحدة تقول إن داعش تنظيم يمثل الشر، أو إعادة تمثيل مشاهد يتفاخر داعش نفسه بها، مثل إطلاق الأطفال النار على الأسرى.

الواقع إن ما يغيب حتى الآن بشكل فعّال عن الحملات الإعلامية "المكلفة ماليًا" ضد التنظيم، المواد الفكاهية والكوميديا والسخرية. هناك محاولات فردية ظهرت من خلال بضعة أغانٍ و"سكيتشات" غير متسلسلة، وسرعان ما تختفي نظراً لعدم جودتها وافتقارها للجاذبية.

أطلق تقني ياباني شخصية كرتونية أطلق عليها "داعش تشان" لاستخدامها في الدعاية المضادة للتنظيم

هناك تجربة ناجحة في الفضاء الإعلامي الأجنبي لم يكن لها صدى ولا تقليد في منصات "الحرب الناعمة" في المنطقة، وهي تجربة "داعش تشان" (#ISISchan). ففي عام 2015 أطلق تقني ياباني شخصية كرتونية أطلق عليها "داعش تشان" لاستخدامها في الدعاية المضادة للتنظيم قائلًا: "لنصنع فتاة ونرسلها إليهم". تم استخدام هذا الابتكار الفني الساخر على نطاق واسع، وانتشرت رسومات على الإنترنت تظهر الفتاة اليابانية بين عناصر داعش حيث يتم الاعتماد على صورة دعائية حقيقية يبثها التنظيم ثم يقوم المتسخدمون بإضافة صورة الفتاة بغرض تحويل مادة داعش إلى فكاهة، وحجب المضمون الدعائي للصورة عبر السخرية. 

اقرأ/ي أيضًا: كونوا مثل الفرنسيين.. أو موتوا مثل البشر!

على سبيل المثال، يبث التنظيم صورًا متلاحقة للأسواق في مناطقه. هنا تظهر "داعش تشان" كفتاة شرهة لأكل البطيخ. إما أنها سعيدة لوجود البطيخ، أو تدمع عيونها وتكون في حالة بائسة لأن البطيخ لا يكون موجودًا في أسواق داعش. وفي صور أخرى تقوم الفتاة بوضع بطيخات فوق أصابع عناصر داعش الذين يكونون في الصورة الحقيقية في حالة عدوانية.

وفكرة "داعش تشان" مستوحاة من تجربة يابانية ظهرت عام 2010، أدت دورًا مضادًا للدعاية الصينية ضد حقبة الاحتلال الياباني للصين. فقد قام تقني في قناة "بي بي إس" اليابانية بتحوير عبارة "الياباني ابن الشر"، وهي شعار صيني، وصمم شخصية عبر الرسم الالكتروني هي فتاة جذابة أبدع اليابانيون في رسمها بمواقف كوميدية، جعلت من الدعاية المؤذية فكاهة وجزءًا من المرح الياباني وكذلك الصيني. 
 
وإذا أخذنا عينة سريعة من المواد التي تبث عربيًا ضد التنظيم، فإننا نجدها غير شاملة من حيث الفئات العمرية، وتهمل توجيه خطابها للأطفال واليافعين، وهذه فئة يمكنها أن تبدع في رسم شخصية "داعش تشان" بدلًا من "الحرب الناعمة" المتجهّمة والركيكة. بل إن الخطاب السائد مثلًا ضد داعش في أوساط بعض فئات المعارضة السورية يتمحور حول اتهام عناصر التنظيم بأنهم عملاء للنظام، وأنهم لو كانوا صادقين لقاموا بعمليات انتحارية في تل أبيب. وماذا لو فعلوا؟!

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الفدية الخبيثة" بدون فضائح جنسية!

كيف أوّل الساسة العرب "نكبة" 1948؟