نكسة عدنان إبراهيم.. درس

نكسة عدنان إبراهيم.. درس "طازج" في الاستبداد

لم تنفع عدنان إبراهيم تقلباته (تويتر)

بخطى واثقة من استعراضاته المعرفية، بدا أن الباحث الفلسطيني المقيم في النمسا، عدنان إبراهيم،  كمن يبدأ مشروعًا تنويريًا، ضد الأصولية والتفسيرات المتطرفة للإسلام. فخلال سنوات طويلة، ظهر الرجل بحلة المتدين العالم والعارف، الذي يوائم الدين بالحداثة، وبحياة الناس اليومية. انجذب إليه كثير من الشباب العرب، ورأوا  في طلته العصرية حلًا لتناقضات ما انفكوا يشعرون بها إزاء هذه الثنائيات.

وُفق عدنان إبراهيم بجمع جمهور كبير، بسبب استعراض معرفته في جوانب كثيرة أحيانًا، أو بسبب ادعاء هذه المعرفة

وُفِق الرجل بجمع جمهور كبير، بسبب استعراض معرفته في جوانب كثيرة أحيانًا، أو بسبب ادعاء هذه المعرفة في أحيان أخرى، وكان للراهن العربي، المحمل بأسئلة يومية عن التطرف والاعتدال، دور في هذا التوفيق. وخلال سنوات ليست كثيرة، صار عنده متابعون كثيرون، يشاهدون وينتظرون خطبه المصورة بعناية على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وقف "نجم اليوتيوب" مع الثورات العربية، وتفاعل معها تفاعل أي مواطن عربي حريص على التغيير. قدم نقدًا لاذعًا لجل التفسيرات الدينية الصارمة، وقدم فهومًا جديدة وحارب التعامل النصي مع الإسلام. كان الرجل مستمتعًا بدور الفقيه الواثق، بلحية خفيفة وبحلة رسمية، وباستشهادات معظمها من نظريات غربية معاصرة.

في مقابل ذلك جميعه، كان هناك هجوم شديد على عدنان إبراهيم، من قبل شباب متدينين لم يعجبهم "شطحه" في التأويل. تبادلوا معه اتهامات كثيرة، لكن أحدًا لم يكن يتعامل مع هذا الخلاف، إلا باعتباره خلافًا بين أصوليين وبين مفكر جريء. لم يكن حتى المشاهد النبيه، يعرف أن "الفقيه السمِح" يتطلع لأدوار أكبر بكثير من ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: عبدالله العلايلي.. من فقه اللغة إلى فقه الدين

كان من يتابع عدنان إبراهيم في الفترة الأخيرة يعرف أن ثمة أشياء كثيرة تتغير. صار هناك تصعيد مباشر وفج في خطبه ضد الإسلام السياسي، ثم بدأ الموقف من الثورات العربية يتغير، وصارت هذه الثورات فجأة نكسة الشعوب العربية الكبيرة.

بدأت مواقف عدنان إبراهيم تتغير تباعًا وتتجه نحو خطاب آخر معاد لكل ما كان يتبناه سابقًا

 بنفس الحماسة والثقة، وقف عدنان إبراهيم مع الثورة السورية وضدها، كما تكشف مجموعة من مقاطع الفيديو التي يتداولها ناشطون. في المرة الأولى سخر من فكرة المؤامرة، ومن "النظام الذي لم يطلق رصاصة واحدة على إسرائيل منذ أربعين عامًا"، وقال إن قتل الناس والخوض في دماء المسلمين أكبر من كل هذه المبررات.

وفي محاضرة لاحقة، يستنكر الرجل نفس الاستنكار، لكن هذه المرة من أولئك الذين لم يدركوا أن النظام السوري جزء من محور مقاومة، وأن الهجوم عليه عداء لهذا الدور. ويتابع: "أنا أعتب على الإسلاميين الذين يتغافلون هذه الحقيقة. أن هذا النظام "السوري" يحتضن المقاومة".

لم تقتصر مفاجآت إبراهيم على موقفه من الثورات العربية، فقد أثار مقطع فيديو تضمن مشاركته في برنامج على قناة سعودية، كثيرًا من الجدل، إذ ظهر الخطيب الواثق بصورة مهزوزة، وكأنه يستجدي العطف والغفران، حتى وصلت به الأمور أن يصف نفسه بالمغفل في طقس كامل من "التطهر" من مواقفه السابقة. تراجع عدنان إبراهيم عن جل آرائه النقدية في مقطع من دقائق، ووصف السعودية، التي سخر من تزمتها مرارًا، بمنارة التغيير في الوطن العربي، التي ستعيد أمجاد الإسلام مرة أخرى!

لم تفلح تغيرات عدنان إبراهيم السريعة، في مجاراة تقلبات المملكة، التي أراد ولي العهد السعودي وصاحب السلطة الفعلية، محمد بن سلمان، أن يروج صورة ليبرالية مصنعة على عجل لها، بين ليلة وضحاها، متجاهًلا تاريخًا عميقًا من الاستبداد الفقهي. بذل الخطيب "المعتدل" كل جهده في مسايرة هذا التقلب، لكنه فشل على ما يبدو، وآلت به الأمور، إلى أن يُمنع في خبر تداوله متابعون، من الظهور على قناة "روتانا خليجية" في رمضان.

يعطي عدنان إبراهيم للجمهور العربي درسه الأخير إذًا، لكنه في هذه المرة لم يكن معلمًا، وإنما ضحية طائشة. درسٌ يقول أشياء كثيرة، عن أن استجداء رضى السلطة، وبذل كل غالٍ ورخيص على بلاطها، لا ينجح دائمًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المؤشر العربي: كيف يتفاعل العرب مع الديمقراطية؟

من فقه الثواب إلى فقه العقاب