نكرهُ العمل.. يا رفيق لينين ما العمل؟

نكرهُ العمل.. يا رفيق لينين ما العمل؟

غرافيتي في إيطاليا يجمع كلًا من ماركس وإنجلز ولينين وغرامشي

أحاول منذ فترةٍ ليست بالقصيرة، أن أبحث عن تفسير منطقي للعمل، غير ذاك الكلاسيكي، المرتبط بواجبات الحياة الاجتماعية، لكنني لم أجد أي معنى جديد لهذه المسألة، كونها ستجعلني محط جدال لن يفضي لأي مردود آخر، سوى التكرار الذي يصحبه أحلامًا غير منطقية، لا تجد مكانًا لها في ظل تطور الفكر البشري المتسارع، والذي أفضى لوظائف تساعد في "كسلنة الجسد".

على صعيد شخصي، أتعامل يوميًا مع العمل، كما لو أنه لعبة "بلاي ستيشن" بتسعة مراحل، اعتبارًا من الساعة التي تسبق الذهاب إلى العمل، وانتهاءً بساعات الدوام الرسمي، المحددة ثمانية، وأسعى بشكل جاهد أن أجتاز هذه المراحل بنجاح، حتى لا أسقط في فخ إعادة إحداها، أو أشاهد شاشة سوداء كتب عليها "Game Over".

دائمًا ما يُخاطر أحدنا ذاته سائلًا عن سبب وجوده في هذا المكان يوميًا لثمانية ساعات، وهذا التحديد الزمني لأوقات العمل

إلا أن أجمل تلك المراحل، تبقى دائمًا الساعات الأولى، وهي تشبه الصدمة في حدثها المتكرر، لأن دائمًا ما يُخاطر أحدنا ذاته سائلًا سبب وجوده في هذا المكان يوميًا لثمانية ساعات. وهذا التحديد الزمني لأوقات العمل، لا يندرج في إطار الأعمال اليدوية، والمشاغل المنتشرة في العشوائيات، إنما يأتي في سياق الأعمال المكتبية، التي انتشرت بطريقة متسارعة خلال ثورتي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

اقرأ/ي أيضًا: مارك شاجال.. ضد الجاذبية

منذ أيام قصيرة، وقعتُ مرة ثانية على مقال للفيلسوف البريطاني برتراند راسل "في مديح الكسل"، والذي يقول في بدايته "ثمة ضرر جسيم ينجم عن الإيمان بفضيلة العمل". إلا أن المقال في المجمل ليس ضد العمل، بقدر ما هو ضد ساعات العمل اليومية المحددة بثماني ساعات، بدلًا من أن تكون أربع ساعات، رغم أن العامل يمكنه أن ينهي واجباته المكلف بها بأربع ساعات، بدلًا من ثماني ساعات.

ويروي راسل أنه عندما منحت بعض العطلات العامة للعمال البريطانيين، سمع إحدى الدوقات تقول "ما عسى الفقراء أن يفعلوا بالعطلات؟ ينبغي عليهم أن يعملوا"، وهو ما يعني غياب أي وقت للفراغ، وهي نظرة كتلة الرأسمال العالمي لنسبة كبيرة من البشرية. لكن في النهاية علينا أن نسأل زعيم كوريا الشمالية، كيم جونج أون، لماذا يعمل مواطنو بلادك يا رفيق سبعة أيام في الأسبوع.. أخبرنا أرجوك عن السبب!

ولا يمكن الإجابة هنا بأن قرار الزعيم الكوري الشمالي، المثير للجدل مثل شخصه، يأتي من التحريض على عدم الكسل، بقدر ما يعني أن عدم عمل الناس سيؤدي إلى ثورة مجتمعية. وهنا علينا أن نستشهد بما شرح ابن منظور في معجمه "لسان العرب" عن معنى الكسل "أراد بالمكاسل الكسل أي لا يكسل كسلًا. المحكم: الكسل التثاقل عن الشيء والفتور فيه، كسل عنه، بالكسر، كسلًا فهو كسل وكسلان والجمع كسالى وكسالى وكسلى".

يروي راسل عندما منحت عطلات للعمال البريطانيين أنه سمع إحدى الدوقات تقول "ما عسى الفقراء أن يفعلوا بالعطلات؟ ينبغي أن يعملوا"

أي أن الجلوس من دون عمل سيحفز الذهن على طرح العديد من التساؤلات، تتعلق بصفته كائن بشري، يملك غريزة السلطة والتملك، أو عن الأسباب التي أفضت إلى توزيع الثروات بهذا الشكل الفاحش. وجعلت طبقة واحدة تحكم مجموعة من الطبقات الاجتماعية المتناثرة في هذا الكوكب المقبل على الانقراض. وأتوقع أن نشهد إحدى هذه الفصول.

تروي معظم الكتابات السردية عن علاقة كارل ماركس بصديقه فريدريك إنجلز، أن الأول عاش حياة فقيرة، وكان يصرف مما يرسله الثاني من مبالغ مالية، ما أتاح له إنجاز عمله الضخم "رأس المال". لكن السؤال الذي يخطر إلى مخيلتي كلما استحضرتُ علاقتهما هل كان ماركس كسولًا؟

أو لماذا لا نفترض، على سبيل المثال، أن ماركس كان يكره العمل، الذي لن يجعله ينجز مؤلفاته. وبالتالي ماذا لو أن إنجلز يدفع مبالغًا مالية لماركس، مقابل أن يكتب له أعمالًا فكرية تنشر باسمه، أي إنجلز. ومن نافل القول التذكير بمقولة ماركس الشهيرة "كل ما فعله الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة.. لكن المهم هو تغييره".

ما يعني مثلًا أن ماركس استخدم الكسل كوسيلة لإنجاز أحد أهم المؤلفات الكلاسيكية التي غيرت في العالم، وكان إنجلز صمام الأمان المالي مقابل إنهاء المؤَلّف الضخم. ومن البديهي أن هذه الفكرة لن تعجب الماركسيين، كونها ترمز لاستغلال الصداقة بين الاثنين، لكن ماذا لو افترضنا أنها كانت موجودة؟ أظن أن ذلك لن يقلل من قيمة أعمال ماركس أو إنجلز، بقدر ما سيجعل من الكسل فعلًا جيدًا يجب استغلاله بطرق مختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: الفريضة الغائبة في الثورة المصرية

في الوقت الحالي، أصبحت الأعمال المكتبية الأكثر انتشارًا بين جميع الوظائف، ومعظمها ملتزم بدوام العمل الخمسة أيام في الأسبوع، والعطلة يومين، وتوجد مؤسسات تمنح يومًا واحدًا. وهناك أيضًا الوظائف الأحب للجميع، وهي التي يتم إنجازها من المنزل، الذي يدخل في إطار تطوير فكرة الكسل، ويشابه ابتكار سلسلة مطاعم "Domino's Pizza" في أوقيانوسيا، فكرة إيصال البيتزا للعملاء بطائرة من دون طيار.

ماركس استخدم الكسل لإنجاز أحد أهم المؤلفات الكلاسيكية التي غيرت العالم، وكان إنجلز صمام أمانه المالي

ولطالما وجدنا أنفسنا ملزمين أن نعمل، ولدينا مهام علينا إنجازها ضمن وقت محدد. ويمكن أن نأخذها من جانب عمل كتابة الصحافة، الباحثين وغيرهم، هذا الطيف من كتيبة الكتبة جميعهم ملزم بفعل القراءة، للاستمرار في الكتابة. فمثلًا لا يمكن لأحد أن يؤلف كتابًا أو يكتب مقالًا دون أن يقرأ. القراءة هنا تصبح عملًا أيضًا؛ وتصير أكثر كسلًا من الكتابة، لأنها تستهلك مجهودًا معينًا.

ويظهر أن التطور التكنولوجي الذي يرافق حياتنا الطبيعية، ذاهبٌ في منحى أكثر خصخصة لفئة محددة من الموظفين، وتحولت اليد العاملة من بشرية لإلكترونية، وصارت الشركات تزيد من اكتشافاتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما يسمح لنا على سبيل التقدير بعد نحو 30 عامًا، إن كنا لا نزال على قيد الحياة، ولم يقتلنا الجفاف، رؤية ثورة "بلشفية" جديدة بنكهة غير روسية، ستعيد للكسل حقه.

نكرهُ العمل.. يا رفيق لينين أخبرنا ما العمل! نعرف أنك قلت يومًا "لا خير في حركة لا تأتي من الأسفل"، لكن ذلك لم يعد يعنينا، نحن لا نريد العمل، وهؤلاء الذين يمارسون الكسل مجموعة كبيرة، لن تتوقع عددها، تبحثُ عن جزيرة تحظر العمل ومشتقاته، وتتلقى مساعدات من الأمم المتحدة، على الأقل لن تنتظر موافقة النظام السوري على ذلك. هؤلاء الكسالى لا يريدون إلا تلك الجزيرة، هم لا يريدون غير الذهاب إلى هناك يا رفيق، وفقط.

اقرأ/ي أيضًا:

الإمبريالية.. تاريخ مظلم ومتجدد

دمشق التي لي