نقد إسرائيل من الجانبين

نقد إسرائيل من الجانبين

العنصرية تساوي الصهيونية (رويترز)

اختفت الجملة من التداول. صاحبها هيرمان غورينغ نفسه يكاد يُنسى، ولا يمكن العثور عليه إلا في صفحة داخلية نائية من كتاب اختصاصي لا يقرؤه إلا غريبي الأطوار.

حين تجرأ أحد معاوني غورينغ (مؤسس المخابرات البروسية – نواة الغستابو) وهمس له برسالة شفوية من الوكالة اليهودية: إنهم يريدون التفاوض من أجل الثمن المطلوب للسماح لهم بتنظيم هجرة جماعية إلى فلسطين، رد سريعًا: "لا يحتاج الأمر لتفاوض. كمية الوقود التي يحتاجها قطار الشرق السريع أقل من كمية الوقود التي يحتاجها فرن الغاز".

 هيرمان غورينغ: "لا يحتاج الأمر لتفاوض. كمية الوقود التي يحتاجها قطار الشرق السريع أقل من كمية الوقود التي يحتاجها فرن الغاز"

عند تلك النقطة التقت مصلحة النازيين مع مصلحة الوكالة اليهودية. ولأجل هذا الالتقاء اختفت الجملة، كما اختفت آلاف الشهادات والوثائق والمعلومات، لا لأن المتضررين منها نجحوا في إخفاءها، بل لأن المستفيدين منها لا يحتاجونها، ولا ينوون استخدامها. ولماذا سيحتاجونها فيما يملكون قاموسًا ضخمًا مليئًا بالشتائم والتهديدات الفارغة، مع ملحقين من الأدعية والوعود؟

اقرأ/ي أيضًا: في ضرورة التحرر من نكبة الوهم والاستسلام للصهيونية

طيلة قرن من الزمان ثبتنا على نمط واحد من الخطاب، نوّعنا في تعبيراته، لكنها جميعًا كانت مدعومة بتعابير وجه غاضبة. ونترك للمصورين أن يلتقطوا لحظتنا من بعيد، لنبدو في الصور دائمًا جماعة كبيرة أتت لتتشاجر.

نقف بعيدًا لبضع خطوات ونلقي بالشتائم والاحراجات الأخلاقية، نطلق بضع رشقات من سلاح ما، ثم نبالغ برسم ملامح الغضب على وجوهنا حين يصل المصورون.

كنّا نأتي من الأمام دائمًا، مع استثناءات قليلة، مثل تلك المرة التي هجم فيها ستة فلسطينيين من الأسفل.

نادرًا ما تم نقد اسرائيل من الجانبين، من اليسار واليمين قريبًا من الأذنين، رغم أن الأذنين مدخل إلى العقل، والعينين مدخل إلى العواطف. من اليمين يمكننا أن نناقش ما تقوله السردية الاسرائيلية بمنطقها ذاته، الأرض التي بلا شعب؟ ومن اليسار يمكننا القول إن اسرائيل هي تنظيم القاعدة في الديانة اليهودية، لكن لأن أدواتها أكثر عصرية أكثر يهودية فهي ما زالت قادرة على تضليل العالم.

حسنًا، لنقل في الأذن اليمنى: "لقد أطلق علينا أعداؤنا وصف الإرهابيّين. أناس لم يكونوا أصدقاءنا ولا أعداءنا.. ورغم ذلك لم نكن إرهابيّين.. الأصول التَّاريخيّة والألسنيّة للمصطلح السياسي "إرهاب" تثبت أنّه لا ينطبق على حرب تحرير ثوريّة، يجب على مقاتلي الحريَّة أن يتسلّحوا، ما عدى ذلك سوف يُسحقون بين عشيّة وضحاها، ما الَّذي يربط صراعًا من أجل كرامة الإنسان ضدَّ الاضطهاد والإخضاع بالإرهاب؟".

وهذا الكلام ليس لأبي عبيدة ولا لأبي عمار، بل لمناحيم بيغن نفسه، وقد قاله في عام 1948.

لنعد إلى الأذن اليسرى، ونكرر أبسط بديهية: دولة تقوم على فكرة غيبية قديمة للغاية، لديها تطور تكنولوجي متقدم، لكنه زائف لأنه يقوم على تلك الفكرة الغيبية، ولأن الدولة نفسها قامت على سلسلة من الأفعال المبنية للمجهول. فقد مُنحت أرضًا كانت قد حُفظت لها منذ زمن طويل، ولا شيء يوضح إن كان هذا الزمن الطويل هو الـ27 سنة الفاصلة عن تصريح لوزير خارجية بريطانيا (أقصد بلفور بالطبع) أو ألفين وخمسمئة سنة الفاصلة عن وعد الرب لموسى.

إسرائيل دولة تقوم على فكرة غيبية قديمة للغاية، لديها تطور تكنولوجي متقدم، لكنه زائف لأنه يقوم على تلك الفكرة الغيبية

تخلط فكرة اسرائيل بين الرب وبلفور وتضعهما في السياق نفسه، وفي الخطاب الصهيوني الأصلي يمكن أن تمر الجمل هكذا دون أن تثير رغبة في النقاش. يقف المستمع عندها قليلًا، يقول لنفسه: ربما قصدهم هذا أو ذاك ولكن لا مشكلة. فالنتيجة واحدة.

اقرأ/ي أيضًا: صورة العربي في أدب الأطفال الإسرائيلي

نصف سكان اسرائيل لا يؤمنون بالله، ولكن كي لا يكونوا متزمتين في إلحادهم ومتشددين فهم يقبلون منه بعض الأشياء (كما يقول سلافوي جيجيك): لقد منحهم الأرض بنفسه. هل يعيدنا هذا لنيتشه؟ ربما. فهو قال إن الله مات. لم يقل إنه غير موجود منذ البداية، قال إنه مات، متى مات؟ ظل موجودًا منذ الأزل، أعطى فلسطين لبني صهيون، ثم مات.

سيمون ويسونثول (أحد آباء الصهيونية والملقب صائد النازيين) حدّد في وقت مبكر متى على الصهاينة التوقف عن التصرف كضحايا، والبدء بالتصرف كمنتصرين أقوياء: "حين ينتبه أول أوروبي إلى أن المكان الَّذي لم يعش فيه أحد من قبل، سيكون على الأرجح مستحيلًا على النَّاس العيش فيه". وعلّمهم أيضًا أن من الضروري قبل أي انتصار إظهار أكبر قدر من الهزيمة. فذلك يجعل الانتصار أكثر دويًا، والقوة أكثر تمظهرًا. لذلك فالمبالغة في وصف أفران الغاز النازية تكتيك عسكري ضروري قبل تحقيق انتصار على الأرض، والسيطرة على مساحات واسعة منها.

سيساعدنا كثيرًا أن ننظر إلى الصور ببساطة، ونراقب تكرار الترتيب. سيساعدنا أن نقارن بين صورة لفوهة فرن غاز وأمامها وجوه مذعورة، وصورة لفوهة نفق في الأرض قرب سور سجن وفوقها وجوه مذهولة.

سيساعدنا كل ذلك لنعرف أنه لم يتم اختلاق إسرائيل اختلاقًا، بل يتم اختلاقها على مدار الساعة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المعنى الحي لفلسطين

4 كتب أساسية عن الاستعمار الاستيطاني