نفايات الحرب الأهلية

نفايات الحرب الأهلية

تشهد بيروت خطوات أقدام جيل جديد، ولد ونشأ بعد حربها تلك (بلال جاويش/الأناضول/Getty)

أهلنا المطوّقون بالخوف عاتبون علينا نحن جيل ما بعد الحرب الأهلية. لم نعرف ما عرفوه، ولم نعرف هذا الرعب إلا من أطرافه. أهلنا المحملون بذاكرة موجعة لما حصل معهم، عما ارتكبوه، عما كانوا مستعدين أن يرتكبوه، يخافون اليوم علينا ومنّا. يوم طمرتنا النفايات بدا الأمر موضع سخرية، لم تكن المرة الأولى وكانوا متأكدين في قلوبهم أنها لن تكون الأخيرة، فهذا البلد الحبيب، لبنان، قائم على التوافق حتى في نفاياته. تذمروا واختنقوا وشتموا وحمّلوا الآخر مسؤولية التعطيل. وبقيت النفايات تتراكم والشتائم تتراكم والآخر مستوعب جاهز لإلقاء التهم. في لبنان، الآخرون ليسوا الجحيم، إنما الآخرون هم النفايات.

معظم المشاركين في التظاهرات هم من جيلٍ لم يتورط في الحرب مباشرة

يوم خرجت مظاهرة طلعت ريحتكم استاء أهلنا من تعرّض الشباب المتظاهرين للزعماء ووضعهم في أكياس نفايات وراحوا يبررون لزعمائهم مقدار مسؤوليتهم عن ملف النفايات أو مشاركتهم بالفساد٬ عتب البعض واطمأن البعض الآخر لكن المتظاهرين بدوا "مجرد مراهقين" يريدون التعبير عن أفكارهم، حركتهم موجة عابرة ستنتهي قريبًا. لم يدرك "جيل الحرب" أن المسألة أبعد من نفايات، مراهقون؟ ربما. لكنهم ضاقوا ذرعًا بانتظارات رسختها الطبقة الحاكمة. ضاقوا ذرعًا باستمرار الحرب ونفاياتها. ضاقوا ذرعًا في انتظار الحوار، انتظار العبور إلى الدولة، انتظار الحرب في سوريا، انتظار الاتفاق الأمريكي - الإيراني، انتظار نضوج الظرف السياسي، انتظار دفن الفرز الذي أصاب الجميع منذ آذار 2005. انتظار حوار السلطة مع نفسها. انتظار إعادة التدوير.

ردّت السلطة على المتظاهرين "المراهقين" بخراطيم المياه والرصاص والقنابل المسيلة للدموع، وبنت جدارها الإسمنتي الذي قابله المتظاهرون برسومات ناقدة ومحطمة للرموز، فكبر الخوف وعادت الذاكرة إلى محطات كثيرة كان فيها الشباب ضحية سلوك سلطوي فاشي. في اليوم التالي كان الحراك أكبر، حراك خارج الطائفة والحزب. حراك خارج الحرب. حراك مخيف لأهلنا، من الجيل الذي دخل الحرب بحزب وخرج منها مجبرًا على التمسك بالحزب.

جيل كانت له حروبه الممتدة على خمسة عشر عامًا وثماني عشرة طائفة. بقي أهلنا خائفين علينا ومنّا. من الشعارات المستهترة بأحزابهم وزعاماتهم، من هفواتنا وطيشنا، من حملات كثرت النقمة فيها "بدنا نحاسب" "شباب ضد النظام" وأخيرًا، "عالشارع". والمدن شوارع كثيرة ازدحمت بأصوات جديدة لم تهتف لزعيم ولا رفعت الألوان الحزبية. عتب وخوف وحذر علينا وأمل مخفي يراقب ما يمكن أن يأتي به الشارع، هو الشارع نفسه الـذي عرف الخطف والاعتقال والموت، شارع الذبح وخطوط التماس وأكياس الرمل والخنادق. الشارع الذي عاد بمجمعات وأسواق واستثمارات، ثم اغتيالات وحروب ومن بعدها تجمد كقلب تعطل فجأة عن العمل. الشارع ينبض الآن.

يوم 29 آب/أغسطس تسمّر جزء من أهلنا أمام شاشات التلفزة مثلهم مثل كثيرين رفضوا النزول إلى الشارع لأسبابهم الخاصة. اللذين شاركوا كانوا من جيلٍ لم يعرف الحرب غالبهم. أما الحرس القديم للذاكرة الصعبة، فمنهم من اعتبر المتظاهرين جزءًا من "مخطط أمريكي يريد ضرب الشرق الأوسط"، ومنهم من اعتبرهم يساريين فوضويين، سمعوا التحذيرات من هكذا عمل ضد "أهل السنة" و"السيد" و"حقوق المسيحيين"، وكلام من هذا وذاك، ففضلوا التمسك بـ"حكمة الزعماء" على تهوّر أبنائهم. استفزتهم الصور التي تناولتها مواقع التواصل الاجتماعي والتي تخطت كل حدود وسقف كان موضوعًا بعد الحرب لكي لا يقفز اللبنانيون فوقها.

ملحدون علمانيون، مخربون، مشاغبون، موهومون... وطبعًا مندسون، تسميات كثيرة أطلقت، تسميات تدل على رفض لهذه الحالة التي تحمل رفضًا لمشروع الجيل الجديد. رفضونا، نحن جيل ما بعد الحرب، جيل تخلى عن شعاراتهم وأناشيدهم، له أغنياته ورسوماته ومطالبته الخاصة، مقتنعين أننا لا نفقه بعد بالسياسات الكبرى ولا قدرة لنا على فهم اللعبة والتغيير، وأي تغيير لن يمر خلالنا.

الطرق شاق وباب المنزل مهترئ. أهلنا الطيبون متمسكون به، يسندونه بلحمهم الحي، ربما هم أكثر حكمة؟ أو لأن تجاربهم السابقة المتهورة كانت موجعة، يخافون علينا، يخافون منا ومن حماسنا المفرط؟ لكن الوضع لم يعد يطاق. يتوجب على أهلنا الانسحاب من الحرب، وتاليًا، الانسحاب من زعمائها. يجب أن تنتهي هذه الحرب.