نفاق المقالات

نفاق المقالات

خالد تكريتي/ سورية

ربما الآن أكثر من أي وقت مضى، فقد الناس ثقتهم بالإعلام. الأمر لا يقتصر على منطقتنا فقط، فمن ناحية، هي الثورات التي كشفت جميع عورات الإعلام، ولكن كذلك يعود الأمر إلى عهود أسبق مثل تسريبات ويكيليكس، التي كشفت بعضًا مما يدور في أروقة السياسة، وأيضًا خطابات السياسيين أثناء حملاتهم الانتخابية أو بعدها، ومدى بُعدها عن الواقع البائس الذي تعانيه "الجماهير"، طبعًا إضافة إلى أمور أخرى كثيرة.

إبعاد الأنا عن أي نصّ هو نفاق، وكلنا شاركنا في هذا النفاق، وخُدعنا به

وكل يوم، تُغرقنا الصحف والمواقع الإلكترونية والمدونات ووسائل التواصل الاجتماعي بأكوام مكدّسة من المقالات التي تحلّل وتعرض فيها جميع شؤون الحياة، من دون أن تهمل جانبًا واحدًا، أو هذا على الأقل ما نؤمن به حاليًا. بكل الأحوال، لنضع كل شيء جانبًا ونركّز على المقالات، التي أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها أكاديمية وتنحو نحو الموضوعية. الموضوعية هي المفتاح، أين الموضوعية من كل ذلك؟ عن أي موضوعية نتحدث ونحن نعرف، والآن أكثر من أي وقت مضى، بأنه لا يوجد كُتّاب موضوعيون؟ ربما سيقول أحدهم "لا تُعمم"! حسنًا، ربما هو محق، ولكني سأعمّم.

إبعاد الأنا عن أي نصّ هو نفاق، وكلنا شاركنا في هذا النفاق، وخُدعنا به. أنا خُدعت عندما كنت صغيرًا لإيماني بموضوعية الكُتّاب. أي مقاربة لأي موضوع تتبنى مذهبًا في تناوله، قد يكون تحليلًا ماركسيًا أو بنيويًا، أو أيًا يكن، فإنه المنهج الذي يتبناه الكاتب تماشيًا مع ميوله الشخصية، لكن ما يهم أن هذا التحليل قد يشرعن حضور الطغاة كالأسد والسيسي الآن، أو يطري كتابًا تافهًا، لا يهم، فكل ما هنالك هو توجهات الكاتب وميوله ومحاباته لهذا الطرف أو ذاك. حتى حين يكون المرء صادقًا فإن حبّه للكاتب الفلاني قد يحوله إلى مدافع شرس عن كل زلاته.

تحليل الأسباب والعوامل لا يكفي، وكما يمكن القول بأن ما يجمع المبدعين هو بحثهم عن الحقيقة، فإن ما يفرّقهم هو النتائج التي يتوصلون إليها. فجميع أفلام المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي تحمل تلك النزعة المسيحية الأرثوذكسية، كما أن قصائد ت. س. إليوت لا تواري ميوله الكاثوليكية، وما يجمعهم هو إبداعهم وسعيهم الذي لا يكلّ نحو الحقيقة. قد يقول أحدهم إن هذا فنّ والأمر يختلف عن كتابة المقالات وموضوعيتها الأكاديمية. بصراحة وباختصار، لا، الأمر لا يختلف.

أي إنتاج هو إنتاج ذاتي، وما تفعله الرأسمالية هو امتصاص الذاتي من كل مُنتج. وقد يقول قائل: "وما شأن الرأسمالية بكل ذلك؟". لا أدري، ولكن ما أريد أن أبينه هنا هو أن السعي نحو التطابق والتوافق هو ما تدفعنا نحوه الرأسمالية، وهذا ما يفعله كُتّاب المقالات، سواء بوعي أو من دون وعي، فهم يسعون نحو التوافق والتطابق؛ والالتزام بأشكال وصيغ محددة وموجودة، ونبذ كل شيء استثنائي حتى يأتي ذلك الاستثنائي (شخص أو عصر) ليفرض الشكل الجديد الذي سيضطر الكُتّاب اللاحقين إلى تبنيها. أقول يُضطرون لأنه دائمًا ما يفرض المنتج الجديد نفسه بطريقة ما، ولست هنا بوارد شرح الأسباب.

أي إنتاج هو إنتاج ذاتي، وما تفعله الرأسمالية هو امتصاص الذاتي من كل مُنتج

طبعًا، هذا لا يعني أن يتحول النص/المقال عن وجهته الرئيسية، كنقد فيلم مثلًا أو تعليق على حدث سياسي، إلى نصّ عن الكاتب، مع أنه أمر مشروع، كما هو مشروع للقارئ أن يتجاهل النص أو يزدري أنا صاحبه. وللإضافة هنا، يمكن القول، تجاوزًا، إنه قليلًا ما نجد مقالات، فيها الأنا بارزة، جديرة بالقراءة (لا تعليق).

ولكن ماذا عن التحليل السياسي؟ ولكن أليس هو المجال الأكثر حاجة إلى إبراز الأنا فيه؟ فما تزال الصحف تُتحفنا بمقالات باردة وقائمة على الأرقام والإحصائيات عن اللاجئين والثورات. ألا يحتاج الأمر إلى قليل من التعاطف أو على الأقل إزالة القناع عن وحشية الكاتب واصطفافه مع القتلة؟ الأنا قد تُظهر ذلك.

ولتوضيح الموضوع، أزيد بأن الأنا تبرز على التلفاز أكثر، سواء أنا المحاوِر أو أنا المحاوَر، مهما التزم الجميع بالبروتوكول، ولذلك فإن الصورة تكشف أكثر من الكلمة، وكل ما أقوله هنا هو المطالبة بصدق أكثر في المقالات. هل كل ما سبق يعني أني أنبذ المقالات القليلة التي كتبتها سابقًا؟ ربما، لا أدري، ولا يهمني الأمر كثيرًا. فبعد أيام قد أنبذ مقالي هذا أيضًا، لأني، ببساطة، شخص متقلب الأفكار، ولأن الحياة تعرض علي دائمًا احتمالات جديدة، وليست كلها جيدة بكل الأحوال.

اقرأ/ي أيضًا:

ما هي الهاوية؟

الشيطان مرّ بموسكو