نغم حيدر.. غزال يعدو في الساحة

نغم حيدر.. غزال يعدو في الساحة

الكاتبة السورية نغم حيدر

ألترا صوت- فريق التحرير

صدرت حديثًا رواية "أعياد الشتاء"  للكاتبة السورية نغم حيدر (1986)، وهي روايتها الثانية بعد باكورتها "مُرّة" التي صدرت سنة 2014.

لا تبتعد نغم حيدر في "أعياد الشتاء" عن الواقع السوري ومآلاته، إذ تحضر الحرب ويحضر معها اللجوء

بعد حضورها كشخصية رئيسية في روايتها "مُرّة"، تعود نغم حيدر لتجعل المرأة كشخصية رئيسية في روايتها هذه التي جاءت في 144 صفحة، حيث اختارت من غرفة ضيّقة في أحد مخيمات اللجوء فضاءً سرديًا لها، لتنهض الرواية على حكاية امرأتين تلتقيان في هذه الغرفة وتتشاركانها لاحقًا. يُغيّر هذا اللقاء من حياة هاتين المرأتين شهيناز وراوية، وخط سيرهنّ، إذ تنفتح الحكاية هنا على حكايات أخرى موازيّة، ذلك أنّ نغم حيدر لا تبدو منشغلة في أن تروي حكاية هاتين المرأتين وحسب، بل وتبدي إلمامًا أيضًا في رصد تفاصيل العيش في مخيمات اللجوء، حيث يصير الإنسان إزاء بيئة وحياة جديدة لم يألفها سابقًا.

اقرأ/ي أيضًا: راهيم حساوي.. عالم مهدّد بالانقراض

هكذا، سنتعرّف إلى "شهيناز" و"راوية" عن كثب. سنعرف أنّ الأخيرة قد اتّخذت من السرير العلوي في الغرفة مكانًا لنسج خيالاتها وعيشها، بينما فضّلت الأولى السرير السفلي لأسباب تتكشّف أثناء سرد الرواية، حيث نكتشف أيضًا هوس شهيناز بمطاردة الغزلان المضيئة والمُعلّقة في الشوارع، والمثبّتة إلى جوار نوافذ المنازل وتلك التي طُبعت على الأكياس البلاستيكية أيضًا. وعلى الجانب الآخر، تبدو هذه المرأة مهووسة بالبشر أيضًا، إذ تُراقب بدقّة أدّق تفاصيل المرأة؛ وجوههم وقبعاتهم ومظلّاتهم وحركة أقدامهم، ليتحوّل فضولها هذا إلى بحر تتداعى وتغرق فيه.

أعياد الشتاء

لا تبتعد نغم حيدر في "أعياد الشتاء" عن الواقع السوري ومآلاته، إذ تحضر الحرب ويحضر معها اللجوء إلى الدول الغربية أيضًا. ناهيك عن أنّها تناولت مواضيع أخرى مختلفة، كالدعارة والكبت الجنسي وغيرهما.


من الرواية

على رغم أنّه طوال الأيام مشرئبٌ صامتٌ، إلّا أنّه لا بُدّ ينتظر شيئًا. تلويحةً ما من طفل مارٍّ إلى جانبه، أو ذرّات ثلجٍ ناعمةً تلامسهُ كي تُصبحَ ذوّابةً سائلة، أو كي تحومَ وتعبرهُ ثم تتجمعَ عند قدميه. ينتظرُ أجراس الكنيسة حتّى تُقرع كي يتكاثر إلى غِزلانٍ مضيئةٍ هُنا وهناك. أو شهينازاً جميلةً تُقرّب وجهها الناعمَ منه وترمقهُ بعينينِ مكحّلتينِ بالبردِ وتحزنُ لأنّه بلا عينين.

شهيناز التي قالت إنّ العُشب غزيرٌ وكثيفٌ عند قدميه، ومع هذا فليس بإمكانه الانحناءُ نحوه.

كثيرةٌ تلك الغِزلانُ التي عُلِّقت على حِبال الزينةِ عالياً أو ثُبِّتت إلى جانبِ النوافذِ وأمام مداخلِ المطاعم وعلى الواجهة الخارجيّةِ للجسرِ في منتصف المدينة. كثيرةٌ تلك المُصغّرة التي أصبحت علّاقةَ مفاتيحٍ أو صورةً مطبوعةً على الأكياس البلاستيكيّة، أو سُكّريةً فوق قالبِ حلوى بالكريمة. كثيرةٌ هي الغِزلان التي رأتها شهيناز في الشهرِ الأخيرِ من هذه السنة. حملها الأولادُ كدُمىً محشيةٍ بالقطن، أو ركبوا فوقها في لعبةٍ مجانية. حتّى هي اشترت الأسبوعَ الماضي بيجامةً حمراءَ مطبوعٌ عليها نسخٌ عديدةٌ للغزالِ ذاته واختارتها من دون أنْ تُجرّبها حتّى، وحين لبستها أخذت تعدو في حلمها بلا انقطاعٍ واستيقظتْ في منتصف الليل وهي تلهث متعرّقة.

أَنَّ الغزالُ في منتصف الساحة. مرَّتِ السياراتُ وأطلقت عجلاتُها الساخنةُ بخاراً في وجهه. تقيّأَ السُّكارى هُنا عند قاعدته وبصق العجائزُ دماً عند قدميه. أما شهيناز فقد تأمّلتهُ صاغرةً أمام أُنسه المسائيّ ذاك ليشردَ ضوؤه في عينيها. مدّت يدها إليهِ كأنّما تسقيه. أمالت رأسها أمامه كأنّها ودّتْ أنْ تُضحكه. رنّت من بعيدٍ أصواتُ أجراسٍ وأغانٍ. الليلُ راقصٌ ماجنٌ في مكانٍ وراكدٌ ساكنٌ في مكانٍ آخرَ. مشحونٌ بالحياةِ في مكانٍ ومسلوبها في بُعدٍ آخر.

مَشَتْ إلى ضفّة الشارع الأُخرى بتثاقلٍ وهي تزجر ذلك الفضولَ المُخجلَ الذي تحكَّم بمشيتها، فأوقفها متى أراد وحرَّكَ نظراتِها وثبَّتَها على الأشياءِ الغريبةِ التي ترويه، حتى إنّهُ جعلَ الطابة في مؤخّرة قبّعتها الأرجوانيةِ تتمايلُ مع حركةِ رأسها بكلّ الاتجاهات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أوتاد محمد الخالدي

"سلطانة القاهرة".. امرأة في مواجهة التاريخ