نعيمة صالحي.. الواجهة النسوية الصاعدة في الجزائر

نعيمة صالحي.. الواجهة النسوية الصاعدة في الجزائر

نعيمة صالحي (فيسبوك)

لطالما كان للنظام الجزائري واجهة نسوية، لكن تراجع ثم إزاحة جهاز المخابرات ورئيسه الجنرال توفيق، كان له ارتداداته على الوجوه النسوية للنظام. وجوه غيّبت، وجوه تراجعت وأخرى تدفع رويدًا رويدًا نحو البروز. يهمل الكثير في الجزائر هذه الحركة من النظام تجاه العنصر النسوي في السلطة، وقد لا ينتبه لها البعض الآخر تمامًا، بالرغم من أنـها تعبر عن التوجهات المستقبلية للنظام الجزائري والوجوه التي ستكون بطلة المشهد في المستقبل القريب.

لطالما كان للنظام الجزائري واجهة نسوية، لكن تراجع ثم إزاحة جهاز المخابرات ورئيسه الجنرال توفيق، كان له ارتداداته على الوجوه النسوية للنظام

اقرأ/ي أيضًا: "سونطراك 1".. مفتاح فضائح الفساد في الجزائر

بداية التغيير في الواجهة النسوية للنظام كانت مع خليدة تومي التي دشّنت مرحلة تراجع سلطة المخابرات، فبعد 12 سنة قضتها وزيرةً للثقافة دون أن تتأثر بالتعديلات الحكومية العديدة التي شهدتها فترة بقائها في الحكومة (2002-2014)، اتـّضح باكرًا أنها من نساء "الفريق توفيق" وأنّ وجودها في الحكومة كان بوفاق بينه وبين بوتفليقة، المكبس الثاني الضخم لتوليد القرار في محرك النظام الجزائري في تلك الفترة.

تومي، بمجرّد رجحان كفة الرئاسة في المعركة "الباردة" بينها وبين المخابرات أزيحت عن المشهد واستبدلت بنادية لعبيدي، المختلفة تمامًا عنها في التوجّه والتكوين والمستوى، وسرعان ما حنّت إلى ممارساتها القديمة التي عرفت بها في التسعينيات قبل أن تنضم إلى دائرة النظام، فكانت وجهًا من وجوه "مجموعة 19" التي شكّكت في أنّ بوتفليقة يحكم الجزائر فعلًا وطالبت بلقائه لإبلاغه بالـ"الأوضاع الخطيرة التي تشهدها البلاد".

مباشرة بعد إحالة الفريق توفيق على التقاعد بعد 25 سنة قضاها قائدًا لجهاز المخابرات في الجزائر، والمعروفة بدائرة "الاستعلام والأمن" قبل أن تحلّ مؤخرًا، دارت الدائرة على لويـزة حنون، زعيمة حزب العمال والشخصية النسوية البارزة في الفسيفساء السياسية الجزائرية منذ التسعينيات. بإيحاء من دائرة الرئاسة، شنّ رجالات النظام وأذرعه الإعلامية حملة شرسة ضدّ زعيمة أكبر حزب يساري في الجزائر انتهت بكشف الكثير من المستور حول من كان يسميها البعض بـ"المرأة الحديدية".

البداية كانت مع الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعيداني، الذي دشن الحملة وأتى بعدّة أدلة تثبت العلاقة الوطيدة التي تربط حنون بالجنرال توفيق الذي وصفه بعرّابها وأنه صاحب الفضل في منحها مقرًّا لحزبها، ثم أكمل بهاء الدين طليبة المهمّة، فشنّ حملة أشرس ضدّ حنون وصلت إلى حد التجريح والقذف المباشر ضدّها. قاومت حنون ادّعاءات سعيداني وطليبة بشدّة وردت بالأسلوب نفسه، مما استدعى في الأخير تدخل النظام وتوظيفه لذراع أخرى من ذراعاته، "سلطة ضبط السمعي والبصري"، التي تدخّلت لوقف مسلسل القذف والقذف المضاد على وسائل الإعلام بين طرفي الصراع.

خرجت حنون من المعركة مشوّهة الصورة أمام الرأي العام وتراجعت صورتها في المشهد العام بشدة. ويبدو أن دراية حنون بأساليب النظام الجزائري وممارساته أقنعتها بعبثية مجاراته في هذه المواجهة وقبلت بالحجم الذي أعطي لها في هذه المرحلة.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائر.. حراك اجتماعي متصاعد

أما الوجه الثالث الذي بدأ في الصعود في الأيام الأخيرة وصار ظهوره يتكرّر للرأي العام الجزائري هو زعيمة حزب "العدل والبيان" الذي تأسّس سنة 2012، نعيمة صالحي، التي يبدو أن انضمامها المدوي إلى فريق المصفقين للنظام والرئيس، أو "الشياتين" كما يسميهم الشارع الجزائري، كان محصّلة لوفاق تمّ بينها وبين مكابس النظام في الخفاء، بوتفليقة أو أخيه السعيد أو حتى قائد أركان الجيش الجزائري الفريق قايد صالح، وفاق يقضي بتكليفها بدور استخلاف الوجوه البائدة والمتراجعة في المستقبل القريب. نوع من "الليفتينغ" للواجهة النسوية للنظام يحتاجها هذا الأخير الرئيس في المرحلة القادمة لإعطاء صورة مختلفة عن تلك التي كانت تبعثها الوجوه القديمة.

برزت نعيمة صالحي خلال الأيام الأخيرة كمحصلة وفاق بين مكابس النظام في الخفاء، وفاق يقضي بتكليفها بدور استخلاف الوجوه النسائية البائدة

صالحي، بتاريخها النضالي المتواضع مقارنة بحنون وتومي، كانت إلى وقت قريب تحسب على جناح المعارضة في الجزائر وكانت من المساندين للمرشّح علي بن فليس في آخر انتخابات رئاسية ضدّ عبد العزيز بوتفليقة، فجأة انقلبت مواقفها من الرئيس رأسًا على عقب في ظرف وجيز أدهش المتتبّعين للمشهد السياسي العام في الجزائر.

ويبدو أن صالحي تعي شدة الصدمة التي أحدثها هذا التغيّر في مواقفها السياسية فلم تجد ما تبرّر به سلوكها إلا اللـجوء إلى قصّة فيها قدر كبير من الغرائبية، روتها عبـر قناة البلاد الجزائرية مفادها أنها التقت بالرئيس وتحاورت معه مطولًا وأنها بعد أن استمعت إليه خرجت بقناعات جديدة أملت عليها ضرورة مساندته في المرحلة القادمة. الغريب في هذه الرواية أنّ الرئيس بوتفليقة غير قادر على الكلام والحوار أصلًا، وقد شاهد الرأي العام الجزائري كيف خارت قواه بعد أقل من دقيقة ونصف من بداية الكلمة التي كان من المفترض أن يلقيها على الحاضرين في قصر الأمم على إثر جلسة التصويت على تعديل الدستور الجزائري وكيف ختم خطابه دون أن يكمله.

قد يصعب حاليًا معرفة مضمون الوفاق الذي حصل في الكواليس بين صالحي والنظام، لكـنّ الأكيد أن النظام يحتاج نعيمة صالحي في المرحلة القادمة وأنّ اللجوء إليها أمر أملاه فراغ الساحة من وجه نسوي آخر على القدر نفسه من الشعبية. حتى من الناحية الشكلية، فإن صالحي بـ"حجابها" ومواقفها المحافظة غير المتعارضة مع الإسلام، عكس تومي وحنون، ستسوّق لصورة جديدة للرئيس والنظام بما أنها ستساهم في تغيير تلك الصورة النمطية التي ألصقت بالمرأة الجزائرية المناضلة. أما بالنسبة لصالحي، فالمنطق يؤكد تلقيها ضمانات بأن تُعطى دورًا متقدّمًا في المرحلة القادمة، ومن غير المستبعد رؤيتها وزيرة في الحكومة الجزائرية في أي تعديل حكومي قد يحدث في المستقبل أو رؤيتها على رأس إدارة سامية من إدارات الدولة. يبقى الرهان بالنسبة لها من الآن فصاعدًا هو قدرتها على البرهنة على وفائها للرئيس المعروف عليه مكافأة المساندين له بقدر ما يثبتونه من ولاء.

أخيرًا، فإن السيناريوهات السابقة تدفع إلى إعادة مساءلة تجربة التمكين السياسي للمرأة في النظام الجزائري بما أن تحليلاً تتبعيًا يكشف عن نوع من التوظيف للمرأة -لا أكثر- يخضع لشرط الولاء وتتحكم فيه حسابات ومساومات تحدث في هرم السلطة.. بين مكابس السلطة.

اقرأ/ي أيضًا: 

تجارب فرنسا النووية.. جرح الجزائر الغائر

صفحة الجيل التاريخي في الجزائر تطوى