نعم.. نحن نبارك الشتات السوري

نعم.. نحن نبارك الشتات السوري

فاسكو غرغالو/ البرتغال

مرة أخرى يقف العرب في مفترق طرق، فأمام أعينهم يحدث "الشتات السوري" دون أن يحركوا ساكنًا، فهم قابعون وقانعون بدور "المتفرج"، حيث يمارسون حياتهم الأزلية فى استسلام قاتل. ربما يفسر هذا كثيرًا من المواقف التاريخية التى مرت على هذا الوطن الكبير دون أن نفهمها، فعلى سبيل المثال، لم أفهم يومًا لماذا لم يخرج جدي الفلاح البسيط، فى إحدى قرى الصعيد المصري، حاملًا فأسه ليوقف التشرد الفلسطيني عام 1948. الآن فهمت أن الأمور أكبر من جدي وفأسه وقريته.

تتعامل عقليتنا العربية مع مأساة اللاجئين السوريين، كما لو أنه فيلم سينمائي سينتهي بعد نحو ساعتين

ويحدث أن تسأل أحد المثقفين عن دور الثقافة في مواجهة هذا الضياع، قبل أن يسجل التاريخ بكل العار هذا الموقف المخزي للمثقفين والثقافة العربية، يسارع ويجيبك بأننا كعرب ليس لدينا ما يسمى بـ"أزمة اللاجئين السوريين"، فهي أزمة أوروبا التى تحصد ما جنته من أخطاء وجرائم في الوطن العربي. حينها تقف محاولًا فهم هذا "الكلام"، أو هذا الموقف فتجد نفسك عاجزًا تمامًا عن فهم آلية تفكير هذا النوع من العقول.

تتعامل عقليتنا العربية مع مأساة اللاجئين السوريين بشكل "جزئي"، كما لو أنه فيلم سينمائي سينتهي بعد نحو ساعتين، وفي النهاية سوف يصفق الجمهور العربي المتفرج لعودة الشعب الشقيق إلى دياره، ولا يدرك أن من خرج من داره "قل مقداره" وفقد قيمته ولن يعود كما كان. لقد صنعنا بصمتنا جيلًا عربيًا كاملًا يعيش التشرد والشتات كطريقة فى التفكير.

عفوًا نحن نبارك الشتات العربي الجديد من خلال هدوئنا القاتل فى التعامل مع ما يحدث في سوريا، بل إننا نستغل ذلك في تطهير أنفسنا حيث نجد فيه نوعًا من إدانة الحكومات والسلطات المستبدة فى أرجاء الوطن العربي والإقرار بفشلها، دون أي موقف إيجابي، فالأمر يشبه أن تأتي لك الفرصة لتكره جارك دون أن يعني لك السبب أية أهمية، كما أن هذه الأزمة فرصة كي يحسد بعضنا هذا الخروج ويرونه فرصة للفرار من النيران العربية المسلطة على رؤسنا، دون أن نفكر فى المستقبل المظلم لهؤلاء الذين خرجوا من ديارهم. نحسدهم ونظن بهم الظنون ولا نعرف أن البلاد التى ذهبوا إليها لن تكون هى جنة الله الموعودة، بل ربما تكون نار الله الموقدة، ففي تلك البلاد البعيدة، يوجد ضياع الهوية وكتل غير متناهية من الظلال السوداء العالقة بالقلوب الهلعة.

قرأنا التاريخ الرديء لحكاياتنا المرة، وها نحن نعيشه مرة أخرى. كان طعم الحكاية التاريخية بطعم العلقم، لكننا حين عشناها كواقع حي صرنا باردين للغاية، لا نرغب في تحريك ساكن. أما السياسيون فهم يعرفون لكنهم منتفعون يحسبونها بالمكسب والخسارة. بينما العامة "قلوبهم دائمًا مع الوجيعة" لكنهم لا يعرفون التاريخ لذا لا يمكن محاسبتهم. المثقفون قرؤوا وعرفوا وليس لهم عذر. وما دام هذا حالنا وهذا تخاذلنا فلتكن أعيننا ممتلئة بجمرات من نار الجحيم لأننا نرى ولا نبصر.