في بلدان الممانعات لا تنطبق شروط الجاذبية الأرضية على التفاح

- فوتوا الحيوان يلي برا..

ويدخل نيوتن لغرفة التحقيق مطأطئًا رأسه، يقف للحظات مطرقًا ثم يتأمل ما حوله بخوف ظاهر على وجهه المتعب من الرياضيات و"الشنططة". الغرفة معتمة والجو خانق ورائحة عرق مقرفة ممزوجة برائحة التحقيقات المتوالية التي جرت في هذه الغرفة. الأضابير تتناثر على الأرض كالزجاج المكسور بعد شجار عائلي لأخوين على ورثة أبيهما الميت منذ ساعات.

لن أطيل بالوصف فقد أوصاني صديقي نيوتن ألا أخبركم بما رآه وشمه، وربما ذاقه أيضًا، فقد أحسنوا وفادته بما يستحق قدره العلمي. وقد وعدته بألا أنطق بحرف مما ذكر لي، لكنني إذ أخون العهد فهناك ما يشفع لي: فمن الضرورة بمكان ذكر ما حدث برأيي لأن نيوتن شخصية اعتبارية تستحق التقدير ويجب أن يذكر التاريخ كل شاردة وواردة أو بهدلة حدثت معه. 

أرجو أن تحتملونني ريثما أسرد لكم قصة تعارفي مع نيوتن فربما يشكك أحدكم في معرفتي به، وبالتالي فلن يصدق ما سنرويه لاحقًا. وإليكم القصة بدون زيادة أو نقصان أو شهود عيان: 

ذات ليلة وبينما كنت أقرأ كتابًا علميًا يخص كوكبنا العظيم فقد فتعرفت على نيوتن وعلى نظرياته المتعلقة بالجاذبية الأرضية، وقد كنت من المهتمين بالتعرف على الأشخاص، فأنا أعرف دارون وكوبرنيكوس وآينشتاين، كما أعرف الكثير من الفنانين كبرناردشو وبيكاسو، وعندما أطبق النعاس عليّ كما تطبق شرطة الآداب على العشاق في الحدائق العامة، وضعت رأسي على الوسادة ووضعت نيوتن ونظرياته والكتاب على الطاولة المغبرة بجانبي، وبدأت الأفكار تتوارد إلى ذهني بخطوات ثقيلة كثقل خطوات مراجعي المعاملات العالقة في دروج موظفي الدولة، وفي نهاية الاسترسال الفكري توصلت إلى قناعة مفادها أن نيوتن لن يتمكن من اكتشافاته لو كان سوريًا، وإليكم الدليل: 

أولًا نيوتن لن يستطيع التأمل من حيث المبدأ تحت شجرة تفاح في سوريا، وذلك لعدة أسباب منها: أن شجرة التفاح لو وجدت في شارع أو حديقة فلن تجد تفاحة ناضجة واحدة على أغصانها، أجزم بذلك، ناهيك عن أننا قد لا نجد أغصانها بالأصل التي ستسخر لصنع النقيفات للأطفال. إسقاط تفاحة أهم لدى الطفل من إسقاط رئيس جمهورية أو على أقل تقدير محافظ. الشجر عندنا بحاجة إلى الحرية لكي يمارس حقه الطبيعي بالحياة الكريمة والإنجاب والوقوف كما يشاء. 

أعجب كيف يصبر الشجر على هذا الظلم وما الذي يجعله يتحمل أن يكتب العشاق أسماءهم على جذوعه؟ وأن يحفروا قلوبًا غير منتظمة على ساقه كما يحفر برؤوسنا شوفير السرفيس آبارًا إذا ظن أن أحدًا من الركاب لم يدفع أجرة الطريق؟ ثم كيف يتحمل الشجر جز أغصانه وأوراقه وأشواكه قسرًا كما لو أنك تنزع أظافره وتحلق له خصائصه البنوية لتتنعم برؤيته؟ لابد إذا من ثورة شعبية كاملة للشجر ليتزعمها شجر التفاح لما له من قدم تاريخي وحضاري في الذاكرة البشرية، منذ حادثة آدم وحواء ونفينا إلى الأرض كجنس بشري كامل. لم يعد التفاح ليحتمل وزرنا ورمي التهم عليه.

ثانيًا: مفهوم الجاذبية نفسه فيما لو خطر ببال نيوتن السوري لن يستطيع قانون فيزيائي أن يطوقه في بلدنا، فمثلًا تزداد قوة الجاذبية بشكل خارق بين المسؤول وبين الكرسي في بلدنا، وأنا أعلم أن هناك مدراء عامين جذبتهم الكراسي منذ سنين طويلة ولم ينفصلوا عن مناصبهم حتى الآن، وقس الأمر على الوزراء ورؤساء البلدية والمحافظين والموظفين... إلخ.

من ناحية ثانية فإن الجاذبية لا تنقص وتزداد عندنا بحسب الضغط الجوي أو سرعة السقوط أو سرعة الانطلاق نحو الأعلى، بل حسب الواسطة والغنى والفساد الوظيفي و"اللقلقة" بين الموظف ومديره، وبين المواطن وممثله في مجلس الشعب، وبين جسور المشاة والمشاة، وبين التواليتات العامة المأجورة والمحصورين، وبين الراتب الشهري وارتفاع الأسعار، وبين المازوت وطاسة الصوبيا، وطاسة رأسنا التي تطير من البرد كل شتاء.. والحديث يطول، المهم هذا ماكنت أفكر به في تلك الليلة، وقد أكون مخطئًا فأفكار ما قبل النوم تنزع عادة للمبالغة والمغالاة.
 
في اليوم التالي، كتبت ما فكرت به برسالة وذهبت للبريد كي أرسلها إلى نيوتن، فمن الضروري أن أنبهه للأخطاء كي يتداركها، وهذا واجبي كمواطن إنساني أولًا، وكمواطن سوري يرفض أن يبقى ساكتًا على الخطأ ويرفض 
أن (ينذل) ثانيًا، وطلبت من الموظف المختص أن يرشدني إلى ما يجب على أن أفعل، وقد فعل وأنا فعلت.
 
بعد أيام كنا نلعب النرد أنا ونيوتن في "مقهى الروضة" قرب الممثل السوري الشهير جمال سليمان.

من هو نيوتن:

نيوتن هو كائن بشري لطيف وحساس يحب عمله. بعد أن زارني في دمشق أحب بيرة "الشرق"، آكل المجدرة مرتين في حياته، الأولى قبل أن نلعب بالنرد والثانية بعد الإفراج عنه، تمشى ذات مرة في شوارع دمشق وشم رائحة بردى المنقرض، واسترعى انتباهه تلك الغيمة الدخانية التي تحرس سماء المدينة، واسترعى نظره حاوية قمامة معدنية كتب عليها: "ارم الزبالة هنا يا حمار".

في غرفة التحقيق: 

- شو اسمك ولك حيوان؟ 
- نيوتن سيدي 
- شو عم تتخفف دم ولا؟ شو اسمك قبل ما شيل حنكك؟
- والله نيوتن 
- يعني نيوتن كنيتك؟ واسمك الأول: والله؟ عامل حالك الله؟ 
- أنا أجنبي يا سيدي 
- وشو معنى اسمك بقى يا سيد أجنبي؟ 
- نكرة يعني؟ وشو عامل لجابوك لهون؟ 
- عامل نظرية سيدي 
- نظرية يا كلب ما؟ أنا ما بقرف إلا من وجهات النظر. 
- يا سيدي نظرية عن الجاذبية الأرضية .
- أصلًا أنتو الغربيين همكم أرضنا أنا بعرف، بدكون تجذبونا بأي وسيلة، والله لنحذفكن عن الخرايط كلها!
- ياسيدي أنا عم أحكي عن الثقل والقوة والتناسب بين الكتلة والاندفاع... 
- لك سد نيعك والله لشق تمك.. ثقلنا نحنا أكبر من كل نظرياتكن ومؤامراتكون، حط ببالك، وقوتنا أعظم بحبنا لأرضنا ولممانعتنا ضد السقوط، وما في كتلة بالعالم بتوقف بوجهنا ولا ضغط ممكن يزحزحنا، ولا في اندفاع بالكون ممكن يهد حيلنا أو يخلخل توازنا فهمت يا نيو(طن)؟
-فهمت سيدي.
 
نظرية نيوتن الجديدة:

في بلدان الممانعات لا تنطبق شروط الجاذبية الأرضية على التفاح.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصفعة.. من التسامح إلى التمسحة

مالك السوري الحزين