نظام السيسي.. الجدار الورقي

نظام السيسي.. الجدار الورقي

عبدالفتاح السيسي (Getty)

لا تزال حالة السخط الشعبي على النظام المصري تتصاعد يومًا بعد يوم، إذ شهدت شوارع الأقصر والإسماعيلية مظاهرات حاشدة بعد مقتل مواطن في كل منهما على يد رجال الشرطة. إلى جانب الكم الكبير من المشكلات التي يواجهها النظام الحاكم في مصر، في حين زادت التكهنات باقتراب حدوث تغيير في رأس السلطة وهو ما فتح النقاش حول كيفية حدوث هذا التغيير واستثماره لصالح استكمال الثورة.

زادت التكنهات بقرب سقوط نظام عبدالفتاح السيسي في الفترة الأخيرة، لكن في المقابل فإن بقاء نظامه معتمد بشكل أكبر على دعم المؤسسات والجماعات ذات النفوذ

مشاكل متزايدة

أواخر الشهر الماضي غرقت شوارع ومنازل الإسكندرية بعد أن سقطت عليها أمطار كثيفة، الأمر الذي زاد من حدة الانتقاد للنظام لتكاسله عن تطوير منظومة الصرف قبل حلول الشتاء. واحتواءً للموقف رحل هاني المسيري محافظ الإسكندرية عن منصبه. بعدها بأسبوع غرقت المحافظة نفسها من جديد، بالإضافة إلى البحيرة ومناطق أخرى.

في نفس التوقيت كانت الإعلامية ريهام سعيد تتعرض لهجوم شرس من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بعدما نشرت صورًا خاصة لفتاة المول دون إذنها، الأمر الذي دعا رواد السوشيال ميديا بعمل حملة مخاطبة للشركات الراعية للبرنامج داعين إياها وقف إعلاناتها بالبرنامج، وهو ما تم بالفعل.

وبعدها بأيام تم تجديد حبس إسراء الطويل، بعد أن رفض القاضي الإفراج عنها على ذمة القضية لاستكمال علاج قدمها المصابة، وانتشرت صورتها باكية في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى صفحات الجرائد، بالإضافة إلى برامج التوك شو التى بدت مهتمة بالحديث عن الظلم الذي تتعرض له الفتاة.

الالتفاف حول إسراء الطويل، والسخط الجماعي على غرق الإسكندرية، والقدرة على استخدام مواقع التواصل في إحداث تأثير ، كلها عوامل أدت إلى شعور النشطاء بالقدرة على تغيير شيء ما في المعادلة إذا توحد الكل على مطلب واحد وعملوا بطريقة متفق عليها لإسقاط النظام، وهو ما ظهر في الدعوة التى انطلقت تحت شعار "راجعين الميدان" للتظاهر في ميدان التحرير يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير المقبل.

عند هذه النقطة اختلف البعض حول جدوى تثوير الناس والنزول للميدان وسط حالة القمع الأمني، فرأى البعض أنه من الأفضل الانتظار حتى يسقط النظام نفسه عبر ممارساته التي رأوها غبية، في حين أن السيسي لن يرحل ما دامت مؤسسات الدولة تسانده.

زادت التكهنات بقرب سقوط نظام عبدالفتاح السيسي في الفترة الأخيرة، لكن في المقابل فإن بقاء نظامه معتمد بشكل أكبر على دعم المؤسسات والجماعات ذات النفوذ، الأمر الذي يجعل المظاهرات ليست ذات تأثير كبير عليه طالما أن هذه الأطراف تدعمه.

وهو ما يدفع للتساؤل حول ما يعتمد عليه النظام في تعزيز بقائه وسيطرته على الأمور، وهل يمتلك النظام زمام الأمور أم أنها تتفلت من يده أحدها تلو الآخر.

الجيش كظهير للسيسي

أتى عبدالفتاح السيسي إلى السلطة بعد أن صار قائدًا للجيش في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، ثم انقلب عليه قبل أقل من عام على تولي الأول منصبه.

لم يتول السيسي السلطة بشكل مباشر وقتها، بل تم تعيين المستشار عدلي منصور في منصب الرئاسة، لكن الحاكم الفعلي للبلاد في ذلك الوقت كان السيسي ومجلسه العسكري. مع قرب انتخابات الرئاسة خرج السيسي ببدلته العسكرية ليعلن عن ترشيح نفسه.

مازال الجيش مستمرًا في دعم السيسي، ويعتمد السيسي عليه، متجاوزًا للحكومة الباهتة التي عينها، في كل شيء تقريبًا. حتى أنه تحدث عن طرح الجيش سلع بأسعار مخفضة كحل لأزمة الغلاء قبل نهاية الشهر، وتمويل الجيش لبناء محطات كهرباء جديدة لحل الأزمة الموجودة منذ سنوات، والقيام بحفر قناة السويس، بل وحتى شفط مياه الأمطار من شوراع الإسكندرية.

البيروقراطية

ساهمت البيروقراطية في سقوط نظام الإخوان المسلمين عندما استعصت على سيطرتهم أثناء حكم محمد مرسي، فعلت ذلك في إطار لعبها دورًا في سقوط الأنظمة المتعاقبة على مصر خلال السنوات الأخيرة كما يرى الباحث عمرو عادلي.

يقول عادلي: "بالإمكان القول إن النظام السياسي الآخذ في التشكل في مصر برئاسة المشير عبد الفتاح السيسي وبدعم من القوات المسلحة وأجهزة الدولة هو انتصار للبيروقراطية المصرية بمكوناتها العسكرية والأمنية والمدنية على ثلاث عمليات سياسية هدفت خلال العقد الماضي لإحداث تغيير سياسي في مصر، إما من خلال تعديل تكوين النخبة السياسية الحاكمة لتكون من خارج البيروقراطية، وإما إلى تعديل علاقة الدولة بالمجتمع والانتقاص من سيطرة الأجهزة البيروقراطية على الموارد الاقتصادية ومن القدرة على إدارة المجال العام"

لكنه يعود ليؤكد: "لقد أثبتت السنوات القليلة الماضية أن بيروقراطية الدولة المصرية أكبر من أن تستولي عليها قوة من خارجها إذ استعصت البيروقراطية في أغلب أجزائها على مشروع التحول الاقتصادي المقرون بتصعيد جمال مبارك سياسيًا، وبعد سقوط مبارك عمدت المصالح داخل جهاز الدولة إلى إعادة إنتاج نفسها بمعزل عن مبارك ورجال نظامه أنفسهم ما يثبت درجة كبيرة من الاستقلالية والانفصال عن القيادة السياسية خلافًا لحالات مثل سوريا أو ليبيا التي ارتهنت فيها مصالح البيروقراطية برأس النظام السياسي وعشيرته المباشرة المحيطة به، وتكرر الأمر ذاته في مقاومة الإخوان والإجهاز على مشروعهم السياسي.

نفس التهديد يواجه عبدالفتاح السيسي خصوصًا بعد سلسلة احتجاجات من موظفي الدولة على قانون الخدمة المدنية مؤخرًا، حيث يتجمع الموظفون أمام مجلس الوزراء، بالإضافة إلى التظاهرات الفئوية من وقت لآخر، مثل تظاهرات حاملي الماجستير، وعمال المصانع وغيرهم.

خطر الفلول

أراد فلول نظام مبارك إيجاد موطئ قدم لهم في نظام 30 يونيو، وهو ما تخوف منه القائمون على النظام الجديد وعبدالفتاح السيسي، فكان البرلمان هو المكان الطبيعي لتنافسهم وسعيهم إليه، الأمر الذي دفع النظام لتأجيل الانتخابات أكثر من مرة، حتى يتجنب صراع الأجنحة والمؤسسات داخل النظام.

وقريبًا تنتهي المرحلة الثانية من الانتخابات البرلمانية، ومازال خطر سيطرة الفلول على عدد كبير من المقاعد وإقامة تحالف تحت قبة مجلس النواب قائمًا، وهو ما قد يجر النظام إلى خطر الصدام معهم سواء على تشكيل حكومة إذا استمر المجلس في العمل، مع احتمال حل المجلس إذا اتخذ توجهًا معارضًا للسيسي، مما قد يوسع الفجوة بينهم وبين النظام الجديد.

صراع المؤسسات

قبل الثورة كانت ثمة حدود فاصلة بين مناطق نفوذ كل مؤسسة في الدولة، وبالإطاحة بمبارك راحت بعض المؤسسات تسعى لممارسة أنشطتها على نطاق أوسع، أثر على نفوذ مؤسسات أخرى. على سبيل المثال كانت تسوية ملف الانتخابات من مسؤولية جهاز أمن الدولة، لكن بعد تغيير اسمه لـ "الأمن الوطني" وخفوت دوره لفترة جراء الانكسار الأمني، دخلت بقية الأجهزة المخابراتية على الخط، وبدأت تجهيز قوائم انتخابية عن طريق ضابطها السابق سامح سيف اليزل، مما سبب تنافسًا بين المؤسستين.

نسق ضابط المخابرات السابق سامح سيف اليزل قائمة "في حب مصر" لخوض الانتخابات، والتي وصفت بـ" قائمة المخابرات"، وفي المقابل وُضعت قائمة التحالف الجمهوري التى ترأسها المستشارة تهاني الجبالي. وأثناء الانتخابات لم تتوقف المعارك الكلامية بين القائمتين، في إشارة إلى صراع المؤسستين على النفوذ. لكن، وبالتأكيد، حسم الأمر في النهاية، لصالح قائمة "في حب مصر"، التي حصلت على جميع مقاعد مجلس الشعب الخاصة بالقوائم.

ومن جانب آخر فإن حصول الجيش والشرطة والقضاء على امتيازات مالية كبيرة أشعر الموظفين في باقي المؤسسات بالتمييز وعدم المساواة.

العلاقات الخارجية

تمتع نظام 30 يونيو بعلاقات أكثر من جيدة مع دول خليجية أبرزها المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة، لكن اتسمت العلاقة مع الأولى بالفتور مؤخرًا

تمتع نظام 30 يونيو بعلاقات أكثر من جيدة مع دول خليجية أبرزها المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة، لكن اتسمت العلاقة مع الأولى بالفتور مؤخرًا، حيث حدث تحول في أولويات السعودية بعد وفاة الملك عبدالله وأصبح تركيزها الأكبر على مواجهة ما تراه ازديادًا للنفوذ الإيراني في المنطقة.

أيضًا تعامل النظام مع حادثة الطائرة الروسية التى سقطت في سيناء بشكل سلبي بعد أن ترددت احتمالات قوية حول سقوطها بعد انفجار قنبلة. وضعت هذه الطائرة النظام في مأزق وصل إلى حد إعلان بريطانيا وقف رحلاتها الجوية لمصر وإجلاء رعاياها أثناء وجود عبدالفتاح السيسي في المملكة المتحدة، بالإضافة إلى تكرار السلوك نفسه مما يسمى "الحليف الروسي" الذي أوقف رحلات طيرانه لمصر كلها وليس شرم الشيخ فحسب، وفي وقت لاحق منعت روسيا طائرات مصر للطيران من الهبوط على أراضيها. أما الولايات المتحدة الأمريكية فلا يبدو لها موقف حاسم من النظام منذ 30 يونيو 2013 وحتى الوقت الحالي.

الإمارات العربية المتحدة، حليفة النظام الأكثر حماسة، قال ولي عهدها محمد بن زايد عن السيسي في وثيقة مسربة نشرتها ميدل إيست آي البريطانية : "يحتاج هذا الرجل إلى معرفة أنني لست ماكينة صراف آلي". كما كشفت الوثيقة ضجرًا من "خدمات" الرجل.

الاستقطاب

وفر الاستقطاب بين جماعة الإخوان المسلمين من جهة ومعارضيها من جهة أخر فرصة للسيسي للوصول إلى الحكم باعتباره مخلصًا من كابوس الجماعة، وفي وقت التفويض صب الاستقطاب في مصلحة النظام بشكل مباشر، وضد جماعة الإخوان ومؤيديهم.

مع الوقت لم يعد الاستقطاب بين الإخوان والنظام ذا قيمة كبيرة، وتراجع لصالح استقطابات أخرى، مثل الاستقطاب بين مؤيدي حفر قناة السويس ومعارضيه، ومؤيدي المؤتمر الاقتصادي ومعارضيه، ومؤيدي عاصمة جديدة ومعارضيها، وإن كان الإخوان ثابتين في خانة المعارضة لكن الاستقطاب خرج عن مساحة وجودهم في السلطة من عدمه.

تخفيف حدة الاستقطاب ولو بشكل جزئي، بالإضافة إلى استهلاك كثير من قوى جماعة الإخوان وعدم قدرتها على تنظيم مظاهرات كبيرة، ساهم في إضعاف قدرة النظام على التغذي بالاستقطاب بشكل كبير.

ائتلاف رجال الأعمال

ازداد النفوذ الاقتصادي للجيش المصري بعد الثورة، وخاصة بعد عودته إلى المشهد في 30 يونيو، وبهذا نقصت حصة رجال الأعمال من المشاريع الجديدة. وعند إنشاء صندوق تحيا مصر تمنى السيسي أن يتبرع كل رجل أعمال بمليار جنيه للصندوق، لكن عزف الكثير منهم عن التبرع. أيضًا لم يحقق المؤتمر الاقتصادي المبلغ الذي كان منتظر تحصيله.

من وقت لآخر تقوم الفضائيات التي يملكها رجال أعمال بما يشبه "قرصة أذن" للنظام، وينتقد أداء الرئيس، آخر هذه الانتقادات كان ما قاله خالد صلاح: أنت أداؤك صفر، واستهجن السيسي في أحد كلماته انتقاد خالد أبو بكر له لانشغاله عن غرق الإسكندرية في مياه الأمطار قائلًا: "مايصحش كدا، إنتم بتعاقبوني عشان وقفت هنا، المرة الجاية هشكيكم للشعب".

وقبل أسبوعين قامت وزارة الداخلية بالقبض على رجل الأعمال صلاح دياب الذي يمتلك صحيفة المصري اليوم بطريقة غريبة، فيما اعتبر وقتها ضغطًا من النظام على الصحيفة عن طريق مالكها، وضغطًا على الرجل الذي لم يتبرع لصندوق تحيا مصر.

جدوى النزول إلى الشوارع

أغرت حالة التوحد من أصحاب التوجهات المختلفة على مطالب محددة على مواقع السوشيال ميديا البعض لمحاولة نقل هذه الحالة إلى الأرض

أغرت حالة التوحد من أصحاب التوجهات المختلفة على مطالب محددة على مواقع السوشيال ميديا البعض لمحاولة نقل هذه الحالة إلى الأرض، بالإضافة إلى ملاحظتهم أن النظام يتراجع أمام المطالب غير المصبوغة بصبغة الإخوان.

لكن كانت هناك آراء أخرى لا تضع على ذلك آمالًا كبرى، محمد القصاص الناشط السياسي يعلق لـ"الترا صوت" قائلًا: "هناك مشكلة عند الشباب الذين عاشوا الثورة المصرية، أنهم يتصورون إمكانية عمل ثورة، لكن لا شيء اسمه "يلا نعمل ثورة"، فالثورة عمل تراكمي لا يحدث بموعد، وهي لحظة تحدث فجأة. هناك إحباط لدى الناس بشكل عام، ويهمهم الوضع الاقتصادي والمادي، وهو في خطر، لذلك فالغضب وارد، لكن التوقيت الله أعلم به، دور النشطاء هنا أن يفضحوا الانتهاكات للناس بأمانة ويقدموا بدائل".
يضيف القصاص "تحديد موعد للنزول بهذه الطريقة يعطي فرصة للنظام استدعاء فزاع الإرهاب لقمع أي حراك غير مفهوم للناس".

أما خالد عبدالحميد -ناشط سياسي- فيقول: "النزول بمعناه الواسع، بشعارات إسقاط الاستبداد وتغيير النظام دون الاستفادة من أخطاء السنوات الماضية لن يوصل إلى شيء، وأظن أنه يصب في تفريغ السياسة من مضمونها في ظل الاستقطاب والإحباط الموجود عند الناس. الشيء الإيجابي الذي يحدث حاليًا أن الناس رأت قمع الشرطة وعودتها للانتقام من كل المواطنين سواء من لهم نشاط سياسي أو لا، الكل يرى هذا حتى مؤيدو النظام الحالي.

يواصل قائلًا: "التغيير الحقيقي سيحدث عندما تنظم قوى الثورة نفسها وتقدر على حشد الناس بمطالب تمس الناس وتقدر على حفر مجرى واعي في ظل الجنون الذي نعيشه. قد يحدث تغيير من داخل النظام، أو تقوم الطبقة الحاكمة بتغيير المشهد بعض الشيء، لكن التغيير الحقيقي في القريب".

الخلاصة أن القوى، التي اعتمد عليها السيسي في وصوله إلى السلطة وتعزيز بقائه، تضعف رابطته بها بحيث لا يمكنه الاعتماد عليها بشكل كبير، سوى الجيش الذي يظل داعمًا بقوة للرجل حتى الآن، لكن في واقع الأمر فإن استمرار هذا الدعم يبقي مرهونًا بقدرته على حل المشاكل وتلافي المعضلات، لأنه في حالة وقع النظام في ورطة كبرى لن يتمكن الجيش من الرهان على لاعب خاسر، كما أنه في حالة تفاقم السخط الشعبي على الرجل فلن يتمكن الجيش من عمل الكثير من أجله، حفاظًا علي صورته في مخيلة الشعب كحام للبلاد، الجيش المصري ليس طائفيًا كسوريا حتى يقف في صف الرئيس ضد الشعب حتى النهاية.

أما القوى الثورية فلا يبدو أن لديها رؤية أو استعدادًا لما بعد هذه المرحلة، التى يطالب بعض المنتمين إليها بالنزول للشوارع للوصول إليها.

اقرأ/ي أيضًا: 

عامان على قانون التظاهر..هل نجح في مهمته؟

مأزق الاصطفاف في مصر