نصف محترق.. نصف وحيد

نصف محترق.. نصف وحيد

(Getty) قطارات قديمة في طرابلس- لبنان

أشتاق إلى عزلات طفولتي الليلية. تبدأ في غرفة "المونة" التي كنت أجبر على النوم في أحد أسرّتها. برفقة "الشنكليش" الممدود و"كبكولات" الكشك قبل طحنها، و"قطرميز" اللبنة المدعبلة، والمكدوس وزيتون الجرجير، والورد اليابس، وخل التفاح. تعدها ديبة وحيدة، بمساعدة أبي. وتوزع بعضها على إخوتي البنات وخالاتي. 
*

كنت أمط رأسي، إلى آخره، كي أستطيع قراءة السطور في إحدى القصص. مستخدمًا الضوء القادم من "كوريدور" غرفة الجلوس الوحيدة. تغزو أنفي روائح مختلطة. أعرف أنها أحد أسباب "الحساسية" المفرطة التي أعاني منها طوال العام.

روائح لا أميزها فعليًا عن بعضها. وكنت أهرب منها، من خلال القصص التي أقرأها. يومها، أعطتني ناديا زوجة أخي قصصًا عن رجل ثلج، يعيش مع أطفال من عمري. يخبرهم حكايات عن المدينة. كنت أخطو معهم إلى عوالم لا أراها. أنهي كل يوم قصة، وأنام متأخرًا، حين أسمع همهمة أبي، يلج لسانه بآيات قيام الليل. 

ثم اعتدت أن لا أنام.

جاء الأرق في البداية بطيئًا. أعدّ إبريق شاي يزيد من ساعاته. وأقرأ رغم طلبهم مني بأن أمد جسمي على السرير. وحين كانوا يقفلون الباب الحديدي، أوقظ ديبة، كي تجعلني "أشخ" في البستان. وجدت طريقتي في الخروج، لتأمل أصوات الضفادع وهمسات الساهرين.

ضباب أيلول قاس في الليل. ولسعاته باردة. يومها كنت أحس بوحدة شديدة ولذيذة. واكشتفت هذا الحب، الذي تعطيه ديبة لي، من خلال انتظارها واقفة من دون كلام. على الرغم من نعسها وجسمها المترهل. 
*
 
أستيقظ بعد جلبة أمي، في تحضير الحليب والقهوة. 

أتذرع بالمشي إلى مطحنة الضيعة. هناك أمارس عزلاتي الصباحية، قرب شلال ماء صغير. وأنظر من مرتفعها إلى القرى المجاورة. كان موسم بيع الدراق انتهى. وأهلي ينشغلون بإعداد مونتهم، وبيع موسم التفاح وإنهاء "صف" صناديق البطاطا، والتحضير لزراعة موسم "كوانين". 

وحدي أبقى في البيت أو بين الجلول، أو في "عزق" عبدو. أبدو مثل ولد يبحث عن أحلام كثيرة، فوق الشجر. أقطفها في خيالي. وأخترع رفاقي. في أيلول، كنت اكتشف أكثر أني حرّ. وأملك الحق في امتلاك كل الضيعة. الأولاد يذهبون إلى مدارسهم قبلنا. دومًا كانوا يتأخرون في إنزالي إلى مدرستي بأسبوعين. أقضيهما مع أبويَ، منشغلًا بعزلاتي. 
*

كبرت. لم يعد لي عزلات متشابهة. أمط رأسي هذه المرة لأرى ماذا سقط من قلبي. ماذا تكوّم فوق رماده. أنا نصف محترق. نصف وحيد. أنا جثة لم ينبش أحد جلدها الطري.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حين يرتاح الرجل الضخم

وأحبَّ الحكاية!