نصر الله حين يطبق قبضته على تلفزيون لبنان

نصر الله حين يطبق قبضته على تلفزيون لبنان

يحاول حزب الله إطباق قبضته على كل مؤسسات الدولة وليس آخرها على إعلامها الرسمي (مواقع التواصل الاجتماعي)

سقط تلفزيون لبنان. التلفزيون الرسمي الوحيد التابع للدولة. سقط بالمعايير الأخلاقية قبل البروتوكولية. أي أنه وضع آخر رصاصة في نعشه. فهو لندرة مشاهديه، ووفرة الفساد في إدارته، وخسارته أرشيفه وبيعه وقدم أسلوبه وتقنياته، سحب نفسه إلى آخر النفق. حيث لا شيء يعيده مجددًا إلى المشاهدين. فالثقة التي حمل عنوانها مع المواطن اللبناني اهتزت مرارًا، وليس آخرها، عرضه على الهواء مباشرة كلمة حسن نصر الله، كاملة.

وعلى الرغم من تغني اللبنانيين بأرشيف أقدم مؤسسة إعلامية، إلا أن هذا لا يشفع للتفزيون الرسمي، الوقوع بفخ ينسف كل المبادئ التي تدعيها المؤسسة وخلفها وزارة الإعلام. التلفزيون تأسس على ثلاث مراحل، منذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، ونشأت على برامجه أجيال قبل أن تنهش الدولة المؤسسات الخاصة التابعة للأحزاب الطائفية. كان هدف التلفزيون حينها إيجاد منبر للمواطن، ومحاولة من الدولة في "ركوب" التطور الإعلامي، حين كان للمؤسسة قدرة في صناعة النجوم والإعلاميين وأيضًا السياسيين.

نقل تلفزيون لبنان الرسمي لأول مرة كلمة نصر الله على الهواء مباشرة في سقوط مهني مدّوي

وكان التلفزيون يومها، يعرف حضوره في ذاكرة اللبنانيين. إذ قدم على الهواء مباشرة، برامج: "بيروت في الليل" و"أبو سليم الطبل"، و"أبو ملحم" و"الزجل". وكان للتلفزيون حق حصري في البث، إلى حين صدور قانون الإعلام المرئي والمسموع الرقم 382/94 ، وإثر الترخيص لعدد من المحطات الخاصة، فقد الحق الحصري الممنوح له لغاية العام 2012، واشترت الدولة حصة القطاع الخاص وباتت منذ العام 1996 تملك أسهم تلفزيون لبنان بالكامل. وتم إقفاله في شباط/فبراير من العام 2001، لأسباب مالية، وبعد افتتاحه بميزانية ضئيلة، يحاول التلفزيون النهوض إلا أنه لم يعد مواكبًا البتة للعمل التلفزيوني الحديث. ويبدو أن قرار مجلس الإدارة، بنقل كلمة حسن نصر الله، لن يزيد من رصيد المؤسسة شيئًا. بل العكس ستكون جزءًا من الاصطفاف المفروض على لبنان، منذ قتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

اقرأ/ي: لماذا سرّب "حزب الله" صور عرضه العسكري في القصير؟

في الشكل، يبدو النقل، واحدًا من نتائج المرحلة القائمة. أي أنه جزء من التوافق. فالقرار بالطبع صادر عن وزير الإعلام، وهو صحافي يميني، تابع لـ"حزب القوات" اللبنانية، التي ساهمت ردحًا من الزمن بقتل اللبنانيين والفلسطينيين معًا على الحواجز. وبدا ملحم رياشي، يغازل بقراره حزب الله. ويزيد استنفاعًا للتقارب الماروني-الشيعي، ولدفة محسومة لسمير جعجع. وفي المضمون، النقل له دلالات بعيدة للغاية. أولًا، أنه يتزامن مع مجازر حلب، بعد إحكام قبضة حزب الله وجيش الأسد عليها. بالطبع لم يهمل نصر الله هذه النقطة في خطابه. ثانيًا، يتقاطع هذا النقل، مع "الأحلاف" المستجدة في لبنان. فالحريري، الذي بدا مطمئنًا لسير المشاورات، بعد تشكيل حكومته ونيلها الثقة. سيعمد حتمًا إلى استرضاء الحزب. وهو بحجة رديئة، يستسمحه ليكون وصيًا على البلد. وكل ما كان في الماضي، صار ماضيًا.

ثالثًا، يتقاطع هذا النقل، مع توجه الحزب إلى فرض قواعده لبنانيًا. فهو أسكت ما سمي يومًا بـ"المارد السني"، وتقرب من الحليفين المسيحيين (جعجع وعون)، وله أذرع في الجيش والأمن العام، ويبسط سيطرته على الجمارك والحدود البرية والبحرية، وله سلطة في أمن المطار. إذًا لا شيء يمنع من أن يقول اليوم قبل الغد، أنه امتلك صوت التلفزيون الرسمي. وربما هذا هو انقلاب أبيض، يمارسه الحزب. بسلطة السلاح المخفي. المخبأ. الذي ظهر في "7 أيار" جليًا. ولوح به عناصره أمام اللبنانيين. أن هذا هو عصرهم. عصر هيمنة السلاح. والسلاح، هو ترسانة كاملة، يقتل الشعب السوري من خلالها. ويبدو أن لبنان يتبنى هذا القتل، وإلا فكيف يظهر أمين عام ميليشا حزبية - طائفية، على شاشاتها مباشرة وكأنه رئيس الجمهورية.

يتزامن نقل كلمة نصر الله في التلفزيون الرسمي مع إطباق الحزب على مفاصل الدولة اللبنانية وارتهانها له

ربما تلفزيون لبنان لم يسقط. أو لنكن عادلين هذه المرة: أصبح على شاكلة سلطات الدولة. نعم شبيهًا لها. نسخة عن أدائها، مرتهنًا لسلطة حزبية طائفية، بل أكثر، متبنيًا خطاب "ميليشيا". أوليس من ينضم إلى "القتلة" الجوالين في سوريا، ويقصف بيوت المدنيين فيها يصنف "ميليشيا"؟، أوليس ما يفعله الحزب، في لبنان، مع "بلطجيته" فعل ميليشيا؟. وبالتالي فقرار مجلس الإدارة على هذا الحال، قرار حكيم ومتناغم ومنسجم مع توجه "دولة حزب الله" (لم يعد هناك كلام عن الدويلة بعد أن صارت متحكمة بكل مفاصل لبنان). يمارس التلفزيون الرسمي دوره كأحد وسائل "حزب الله" الإعلامية. فربما، صار من الخطأ أن ينأى التلفزيون الرسمي، نفسه عن خطاب الحاكم الأول للبنان. الآمر والناهي، الرجل المعمم، الذي يمارس سلطته في لبنان وسوريا، وله أذرع متحركة تأتمر من فم قاسم سليماني.

التلفزيون الذي تخول له صلاحيته، نقل خطاب رئيس الجمهورية حصرًا، وبشكل كلي وغير مجتزئ، مارس صلاحيته هذه المرة، لينقل كلمة نصر الله، في حدث غير مسبوق. كلمة كاملة لسيد لبنان، الذي جاء بميشال عون رئيسًا، ومارس ضغوطًا على الحريري، ليأتي به رئيسًا لحكومة يملك حزب الله ثلثها المعطل. ولكن، أليس قليلًا أن ينقل فقط كلام حسن نصر الله، ربما على التلفزيون أن ينقل أيضًا "انتصارات" الحزب المفترضة في سوريا، وهم يقتلعون عيون أطفال حلب، ويحرقون أرض سوريا؟

اقرأ/ي أيضًا:

ديك "النهار".. حين يتقيأ عنصرية ضد السوريين