نساء

نساء "المغرب العميق"

معلمة تعطي دروس محو الأمية بأحد حظائر الأبقار في أحد ضواحي مدينة الدار البيضاء المغربية (getty)

أن تكوني امرأة تنتمين إلى "المغرب العميق"، فلا شك أنك إمرأة من طينة أخرى، غالبًا ما تتمتعين بالقوة والصبر، خلقت لتواجهي مصيرًا مختلفًا، كُتب عليك أن تصطدمي بعادات وتقاليد صارمة، ممنوع أن تفتحي عينيك لرؤية ما وراء الجبال الشامخة، التي تحجب قريتك الجميلة والقاسية أيضًا، لا تفتحي عينيك لكي لا تقارني نفسك بنساء أخريات يشاركنك نفس الوطن، فهن غالبًا لا يشبهنك، ومن الممكن جدًا ألا تتعرفي إليهن.

عندما كنت طفلة، ليس لك الحق في اختيار الدمى للعب كما تلعب قريناتك في أماكن أخرى من هذا الوطن، أنت مشغولة بالاعتناء بأخواتك الصغار، أو بتحضير وجبات الطعام لباقي أفراد أسرتك، من الممكن جدًا أن تكوني منهمكة في أعمال يومية أخرى، فقدرك العمل نيابة عن شقيقك ووالدك، فهم حسب عرف قريتك، ينتمون إلى جنس "الرجال"، لا يعملون أبدًا، عكسك أنت التي تنتمين إلى جنس "النساء".

إن كنت طفلة تنتمي لـ"المغرب العميق" فليس لك الحق في المدرسة، هذا ترف لا تحتاجين إليه، أنت فقط خلقت لتتفاني من أجل أفراد أسرتك

إن كنت طفلة تنتمي إلى "المغرب العميق" فليس لك الحق في المدرسة، هذا يمثل بالنسبة لك ترف، لا تحتاجين إليه، أنت فقط خلقت لتتفاني من أجل أفراد أسرتك، المكونة من أب مغلوب على أمره وأم مسكينة وأخوة صغار أو حتى الكبار.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب.. أكثر من 100 يوم من تعثر تشكيل الحكومة

أنت طفلة نشيطة، هكذا هن طفلات المغرب، يستيقظن باكرًا ، يحضرن الطعام، يحلبن الأبقار، يعددن الغذاء، يقمن برعاية البهائم، وغسل الملابس لكل أفراد العائلة، بأيدهن الصغيرة، المتجمدة من البرد أحيانًا، وأخيرًا يرافقن أمهاتهن لجلب الحطب المناسب للتدفئة، أو العلف لإطعام البهائم.

الطفلة التي تنتمي إلى المغرب العميق قدرها ألا تدرس، فهي بحسبهم تقطن في قرية بعيدة نائية، ومعزولة عن باقي المغارب. فما حاجتك للدراسة؟ وإن حالفك الحظ، فلن تستيطعي متابعة مراحل أخرى من الدارسة، لأنه ببساطة لا توجد في قريتك مدارس خاصة بمرحلة الإعدادي أو الثانوي.

ولأنك طفلة غير عادية؛ فليس لك الحق في أن ترفضي الزواج، بالرغم من أنك لم تتجاوزي بعد الحادية عشرة، أنت في نظرهم "امرأة"، هكذا أخبرتك والدتك، أعلم. فهي الأخرى تزوجت في نفس السن. خلقتن نساء من نعومة أظفاركن. لا تخشي زوجك فهو صغير السن أيضًا، وغالبًا ما يكون من أفراد عائلتك.

حاولي أن توثقي زواجك، لا تكتفي بقراءة الفاتحة، كما فعلت أمك أو خالتك أو عماتك. كوني مختلفة، استغلي فرصة مرور بعض من القوافل التي تعنى بهذا الموضوع ووثقي زواجك، من يدري ربما ستحتاجينه في المستقبل، يمكن أن يبتسم القدر لأحد أبنائك ويرحل عن القرية، فأكيد سيحتاج إلى تاريخ ولادته، للحصول على عمل، لهذا توثيق زواج ضروري.

اقرأ/ي أيضًا: غضب من إعلام مصر لتشويه مشايخ مغاربة: ليسوا دجالين

حاولي عزيزتي إنجاب أطفالك في فصل الصيف، أعلم أن الأمر خارج عن سيطرتك، لكن يبقى هذا الأمر مهم، لكي تبقي على قيد الحياة، لأجل رضيعك، لا يجب أن تنجبي في فصل الشتاء، حيث الثلوج التي تسيطر على المكان، وحيث الممرض المسؤول عن قريتك، قد يتعذر عليه الوصول إليك لكي يشرف على ولادتك.

الطفلة التي تنتمي إلى المغرب العميق قدرها ألا تدرس، فهي تقطن في قرية بعيدة نائية، ومعزولة عن باقي المغارب. فما حاجتك للدراسة؟

من يعرف، فقد يكون حظك أسوأ من جارتك التي أنجبت أطفالها على يد "القابلة" أو "المولدة"، وحالفها الحظ في أن تبقى على قيد الحياة. أو أن يشبه حظك ابنة خالتك التي توفيت تاركة ابنها الصغير بعدما فاجأها مخاض عسير، فالمسكينة لم تستطع الذهاب إلى المستوصف بسبب التساقطات الثلجية التي أغلقت الطريق الوحيد.

خلقت عزيزتي في "المغرب العميق"، حيث عادتكم وتقاليدكم مختلفة عن شقيقاتك المغربيات اللواتي يقطن في المدن الكبرى. أنوثتك خلقت لتتحدى قساوة البرد والفقر أيضًا. وليس لك الحق في شكوى، فمن سيسمعك، فأنت بعيدة جدًا عن مسامع المسؤولين والقائمين على شؤون قريتك، أنت امرأة "مغرب العميق" قوية وصبورة.

اقرأ/ي أيضًا:

مسيحيو المغرب.. حياة الخفاء

هل اللغة العربية بالمغرب في مهب الريح؟