نساء الاستعمار

نساء الاستعمار

لوحة بعنوان: نساء الجزائر لـ ديلاكروا

لتنتهك الأرض عليك أن تنتهك الجسد. تصح العبارة كمقولة استعمارية لطالما عززها المستعمِر (وربما أنشأها) في كل مرة استعمر بها شعوبًا أخرى. إذ ليس مصادفة أن تقوم فرنسا بإدارة وتنظيم بيوت الدعارة بعد أسبوع واحد على احتلالها الجزائر، وذلك كي يجد الجنود مكانًا يزيلون فيه "الضغط والتعب" الناجم عن بعدهم عن موطنهم وزوجاتهم، وليكون حق تنظيم الجنس عائد للمستعمِر ذاته، فالسكان المحليون غير قادرين على ذلك.

المرأة الشرقية بحسب النمط الاستشراقي هي الشهوانية، المستعدة للرجل، المتطلبة للجنس

أرادت فرنسا -قسريًا- أن تُظهر "الحريم" الجزائري كصورة واقعية من ألف ليلة وليلة، ومن المتخيّل الأوروبي عن الشرق! فقد سبقت الحقبة الاستعمارية الأوربية للشرق دراسات وأبحاث كثيرة قام بها مستشرقون رسموا عبرها صورة لشرق غير موجود في الواقع، لقد رسموا صورة تخيّليّة عن شرق يريدونه هم لغايات استعمارية، وجعلوا شرقهم هذا نمطيًا لدى كافة الشعوب الأوروبية، واستكمالًا لذلك ترجموا في مراحل أخرى كتبًا وقصصًا لكتاب من الشرق بما يتناسب مع شرقهم المتخيّل ومع الصورة النمطية الراسخة تلك.

اقرأ/ي أيضًا: دور البطاقات البريدية الاستعمارية والنساء في صناعة الحرب

كي يرى الأوروبي بعينه ذلك الشرق الساحر، الغريب، العجيب (الإكزوتيكي) فكّر المستعمِر برسم الشرق، فراح يرسل الرسامين (قبل اختراع الكاميرا في القرن التاسع عشر) إلى البلدان التي يجهز لغزوها، ليرسموا التمثيل الأكثر مطابقة للشرق المتخيّل وهو المرأة، فالمرأة الشرقية بحسب النمط الاستشراقي هي الشهوانية، المستعدة للرجل، المتطلبة للجنس، المثيرة، التي ترفل بالحرير أيضًا، وتدخن الشيشة (الأركيلة)... إلى آخر تلك الصفات. لكن عندما ذهب الرسامون إلى هناك فوجئوا بأن المرأة الشرقية، المسلمة خاصة، متشحة بالسواد، ملتزمة البيت، لا يمكن رؤية ما خلف الحجاب لأي غريب مهما كان قريبًا من العائلة أو القبيلة... لقد وجدوا نساء أخريات غير اللواتي قرؤوا عنهن وسمعوه.

كتب الفنان الفرنسي دي لاكروا في مذكراته أنه خلال زيارته المغرب العربي في السياق التمهيدي للاحتلال لم يجد أية امرأة من اللواتي كان يتوقع أن يراهن، لم يجد أي مظهر من المظاهر المعروفة في أوروبا عن الشرق! مع هذا رسم بعض النساء في مجتمع صغير لليهود المغاربة الذين وثقوا به وفتحوا له بيوتهم، وقدمها للغرب على أنها هي المغرب وهي تمثيل واقعي للمرأة المغربية... بدت امرأة المحتل حسب اللوحات المرسومة ثم فيما بعد، بعد اختراع الكاميرا، حسب الصور الفوتوغرافية التي صورها المصورون في بيوت الدعارة تارة، واستغلالًا لحاجة بعض النساء للمال تارة أخرى، حيث قبلن بتصويرهن مقابل المال، وفي بعض الشوارع الخلفية... بدت امرأة مصممة للجنس، وبدا المجتمع الشرقي على أنه الفردوس الجنسي المفقود الذي اكتشفه الغرب للتو، وعليه أن يدخله كملكية خاصة له، لتنظيمه وتنظيم شهوانيته والتمتع بها أيضًا.

وفي هذه العملية أيضًا كان يدعوا رجال الغرب أثرياء ومحاربين للقدوم إلى ذلك الفردوس للتمتع مجانًا بلقيا لطالما سمعوا عنها، فالجنس كان وسيلة من وسائل ترويج الاستعمار. ينسجم ذلك مع وضع المرأة الغربية في تلك الحقبة التي كانت مسورة بـ "الأخلاق الحميدة" والتي كانت لا تستطيع إظهار نفسها للرجل، كصورة مقلوبة عن وضع المرأة الآن في الشرق كما في الغرب!

التركيز على نساء المستعمَرات وتقديمهن -زورًا وبهتانًا وتزييفًا- على أنهن نساء الشرق حسب الشرق المرسوم سلفًا بمخيلة الغربي جعل الحملات الاستعمارية نوعًا من "السياحة الجنسية"، حسب تعبير المؤرخ الفرنسي باسكال بلانشار الذي يصف الاستعمار بقوله: "أن تستعمر يعني أن تتدخل في شكل التبرج ومستحضرات التجميل والجسد نفسه، وصولًا إلى إعادة تركيب مفهوم المخيال الجنسي من جديد. أن تستعمر يعني أن تُحدث شرخًا بينما يراه صاحب الجسد في نفسه وبين ما تحدده أنت كمستعمِر باعتباره صالحًا للمشاهدة في صورة الآخر، بما يعني أن يكون الجسد مخصصًا لإنتاج المتعة التي تتخطى صاحب هذا الجسد، والتي لن تكون بالضرورة ملكه".

أراد المستعمِر أن يخلع "حجاب الجزائر" حسب تعبير فرانز فانون، وذلك دون أي اعتبار للجزائر إذا كانت تريد أو لا تريد ذلك، وذلك كي يتماشي الشرق في الواقع مع صورته الفانتازية في الغرب، فالهيمنة الاستعمارية تجلت بأنها ادعت تمثيل الآخر وتكلمت بالنيابة عنه بوصفه مجرد تابع، و"هل يستطيع التابع أن يتكلم؟"، حسب سؤال غياتري سبيفاك، التاريخ الاستعماري يجيب بـ: لا، كبيرة.

أراد المستعمِر أن يخلع "حجاب الجزائر" حسب تعبير فرانز فانون، وذلك دون أي اعتبار للجزائر إذا كانت تريد أو لا تريد ذلك

كي تكون الهمينة غير ناقصة أيضًا كان أن مارس الاستعمار عنفًا متوحشًا على نساء المستعمرات. في الصور التي نُشرت مؤخرًا في كتاب صدر بالفرنسية بعنوان "الجنس، العرق والمستعمرات" (ستكون لنا معه وقفة في مرة قادمة) تظهر ممارسات قام بها مستعمرون تجاه نساء في البلدان التي استعمروها تدل على كراهية وعنصرية وعنف لم نكن لنتصور أنها يمكن أن تكون وجدت حقًا مع استعمار لطالما ادعى أنه أراد تحرير المجتمعات التي استعمرها! (تحرير المجتمعات ممن؟ من نفسها) هذا العنف الإيروتيكي العرقي كان مدخلًا لعنف مماثل على الأرض المستعمَرة، فلكي تستعمر الأرض يجب أن تستعمر الجسد، في نوع من إضفاء طابع من قوة غاشمة تبدأ بإذلال المستعمَر والإطاحة بكرامته عبر التمتع جنسًا وإرضاء شهوات مع نسائه، وصولًا إلى ممارسة العنف ضدهن، وذلك على الرغم من/ أو بسبب ما تمثله المرأة في المجتمع الشرقي من كونها شرف الرجل الشرقي ومختبر رجولته وقوته... (أقله في ذلك الزمن: الزمن الاستعماري)!

اقرأ/ي أيضًا: ماتياس إينار: الفصل بين الشرق والغرب مصطنع

هذا التجريد من الكرامة، عبر إهانة الجسد وإذلاله جعلت الشرق في الحقبة الاستعمارية يبدو "جنة جنسية" من جهة، ومن جهة أخرى محلًا لممارسة القوة تجعل من مقاومته فعلًا ناقصًا ليس من السهولة جعله واقعًا، فالذليل لا يقاوم. هكذا فكر الاستعمار واتخذ من جسد المرأة مكانًا صالحًا لتجريب كل الأفكار. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

الصور النمطية.. بين هدر الواقع ومسخه

عنصرية ضد لون العيون