نزيف في سوق العمل الأميركي: 1.2 مليون مهاجر يغادرون بفعل سياسات ترامب
1 سبتمبر 2025
مع حلول يوم العمل في الولايات المتحدة، الذي يُصادف أول يوم اثنين من شهر أيلول/سبتمبر من كل عام، برزت معطيات لافتة حول واقع سوق العمل الأميركي. فقد كشفت بيانات أولية صادرة عن مكتب الإحصاء الأميركي، حلّلها مركز "بيو" للأبحاث (Pew Research Center)، عن تراجع غير مسبوق في أعداد المهاجرين ضمن قوة العمل خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، حيث خرج أكثر من 1.2 مليون مهاجر من سوق العمل، في تطور يثير مخاوف بشأن مستقبل قطاعات حيوية يعتمد عليها الاقتصاد الأميركي.
مخاوف العمال المهاجرين
في مزارع وادي سنترال بولاية كاليفورنيا، تعمل ليديا منذ أكثر من عقدين في قطف المحاصيل. ورغم اعتماد المزارع على جهدها وجهد آلاف المهاجرين مثلها، تعيش هي وزملاؤها في قلق دائم من حملات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE).
تقول ليديا، التي دخلت البلاد بشكل غير قانوني قبل 23 عامًا، لوكالة " أسوشيتد برس " الخوف أن يوقفوك أثناء القيادة ويسألوك عن أوراقك. نحن بحاجة للعمل لإطعام عائلاتنا ودفع الإيجار".
أظهر تحليل لمركز "بيو" استنادًا إلى بيانات أولية من مكتب الإحصاء الأميركي، تراجعًا غير مسبوق في أعداد المهاجرين العاملين خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري
أرقام تكشف حجم الفجوة
تشير بيانات مركز "بيو" للأبحاث إلى أن المهاجرين يمثلون ما يقارب 20% من إجمالي القوة العاملة الأميركية، أي الشريحة السكانية التي تساهم فعليًا في سوق العمل سواء من خلال الوظائف المختلفة أو عبر البحث عن عمل.
وتبرز أهمية هذه الفئة في قطاعات حيوية يقوم عليها الاقتصاد الأميركي؛ إذ يشكّلون نحو 45% من العاملين في الزراعة وصيد الأسماك والغابات، وقرابة 30% من اليد العاملة في قطاع البناء، إضافة إلى 24% في قطاع الخدمات.
ويحذّر خبراء اقتصاديون من أن التراجع الكبير في أعداد المهاجرين العاملين سيؤدي إلى فراغ يصعب تعويضه، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد بشكل أساسي على العمالة المهاجرة لإنجاز الأعمال الشاقة أو الموسمية، وهو ما قد يرفع تكاليف الإنتاج ويبطئ من وتيرة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
غموض حول الأسباب
تقول الباحثة البارزة في مركز "بيو"، ستيفاني كرامر: إن "تراجع أعداد المهاجرين قد يكون نتيجة أسباب متعددة، منها: مغادرة طوعية لتفادي الترحيل، أو عمليات الإبعاد القسري، أو حتى مشكلات تقنية في الإحصاءات". لكنها تؤكد أن "المؤشرات الحالية تُظهر بوضوح أن عدد المغادرين يفوق عدد القادمين إلى الولايات المتحدة".
ترامب وسياسة الترحيل
بنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملته على وعد بترحيل ملايين المهاجرين غير النظاميين، مع التشديد على أن الأولوية ستُعطى لـ"المجرمين الخطرين". غير أن البيانات تكشف أن غالبية الموقوفين من قبل وكالة الهجرة والجمارك لا يملكون سجلات جنائية، في وقت سجلت فيه البلاد انخفاضًا ملحوظًا في أعداد المتسللين عبر الحدود الجنوبية.
انعكاسات على الاقتصاد
أوضحت الخبيرة الاقتصادية في الاحتياطي الفدرالي بدالاس، بيا أورينيوس، أن المهاجرين عادة ما يساهمون بما لا يقل عن 50% من نمو الوظائف في الولايات المتحدة، مشيرةً إلى أن توقف التدفق عبر الحدود "أثّر بشكل هائل على قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل جديدة".
خسائر في الزراعة والبناء
من جهتها، أكدت الناشطة في الدفاع عن عمال المزارع بولاية تكساس، إليزابيث رودريغيز، أن مداهمات فرق وكالة الهجرة والجمارك للمزارع أدت إلى تباطؤ موسم الحصاد هذا العام، حيث أُهدر جزء كبير من محاصيل البطيخ والشمام.
في كاليفورنيا، سجّلت منطقة " ريفرسايد – سان بيرناردينو" أكبر خسارة في وظائف البناء خلال العام الماضي، بخسارتها 7200 وظيفة، في حين خسرت منطقة محيط لوس أنجلوس–لونغ بيتش–غلينديل أكثر من 6200 وظيفة في نفس القطاع.
وتعليقًا على هذه الأرقام، قال كبير الاقتصاديين في جمعية المقاولين الأميركيين (AGC)، كين سيمونسون: "لقد توقف التوظيف في قطاع البناء أو تراجع في العديد من المناطق لأسباب متعددة. لكنه لم ينقطع بالحقيقة؛ فالمقاولون يؤكدون أنهم كانوا على استعداد لتوظيف المزيد من الأشخاص لو توفّرت العمالة المؤهلة والمستعدة، ولولا أن التشديد على الهجرة تعرقل إمدادات العمالة.
ويشير هذا الكلام إلى أن التراجع في أعداد العمال المهاجرين، الذي نتج عن سياسات تشديد الهجرة، أدى إلى شلّ حركة سوق البناء، وتسبّب بتأخير أو إلغاء مشاريع، وارتفاع تكاليف الإنتاج في قطاع يعد من أهم ركائز النمو الاقتصادي.
أكدت الناشطة في الدفاع عن عمال المزارع بولاية تكساس، إليزابيث رودريغيز، أن مداهمات فرق وكالة الهجرة والجمارك للمزارع أدت إلى تباطؤ موسم الحصاد هذا العام
أزمة تهدد قطاعات حيوية
لا يقتصر الأمر على الزراعة والبناء، بل يمتد إلى الرعاية الصحية، حيث يشكّل المهاجرون 43% من العاملين في مجال الرعاية المنزلية. ويحذّر اتحاد موظفي الخدمات (SEIU) من أن غياب المهاجرين سيجعل ملايين الأميركيين عاجزين عن الحصول على مقدمي رعاية، إضافة إلى مخاطر على استمرارية عمل المستشفيات ودور الرعاية.
مخاوف شخصية
ليديا، العاملة الزراعية، تختصر المأساة قائلة: "أخشى أن يرحّلوني إلى المكسيك. حياتي كلها هنا. أطفالي الثلاثة وُلدوا في الولايات المتحدة، ولا أعرف إن كنت سأستطيع أخذهم معي. ماذا لو اضطررت للبدء من الصفر؟"
إلى أين تتجه الأمور؟
في ظل استمرار الجدل الأميركي حول سياسة الهجرة التي تنتهجها إدارة ترامب، تُظهر الأرقام أن خروج أكثر من 1.2 مليون مهاجر من سوق العمل خلال فترة قصيرة لا يقتصر أثره على المؤشرات الاقتصادية، بل يهدد قطاعات حيوية مثل الزراعة والبناء والرعاية الصحية بعجز يصعب تجاوزه. فالفجوة في اليد العاملة تعني بالضرورة اضطرابًا في الإنتاج وارتفاعًا في أسعار السلع والخدمات، ما ينعكس مباشرة على حياة ملايين الأميركيين.
ومع مضي إدارة ترامب في تشديد سياساتها تجاه المهاجرين، يظل السؤال مطروحًا: هل يستطيع الاقتصاد الأميركي تعويض هذا النقص الهيكلي، أم أن البلاد ستدفع ثمنًا اجتماعيًا واقتصاديًا باهظًا نتيجة انكماش القاعدة المهاجرة التي شكّلت لعقود رافعة أساسية للنمو والازدهار؟