ندب الحسين ومرثية تموز التي لا تموت

ندب الحسين ومرثية تموز التي لا تموت

حكاية تموز لم تختفِ من الوجود، بل لبّست في كل عصر حاشية من الثياب والطقوس الجديدة

شقائق النعمان، الورود الحمراء التي تسمى أيضًا بالدحنون، تعني حرفيًا بالآرامية تشققات النعمات، والنعمات هي اسم الربة عشتار في معظم اللغات السامية القديمة. وتروي الكثير من الأساطير تفجعها على تموز، ومنها أنها دخلت سهلًا من العوسج فتجرّح جلدها وتشقّق من فعل الأشواك، فصارت كل قطرة دم تنزل من قدميها تتحول إلى تلك الوردة شديدة الحمرة، وكان اسم هذه الوردة في اللغات القديمة "تشققاتُ جلد الربة نعمات"، كناية عن الجراح التي أصابتها وتقطرت دمًا فتحول ورودًا. 

الحواس أول من تموت قبل الجسد وأول من تستيقظ بعد الموت

مع الزمن حافظت اللغة العربية على نفس الجذر اللغوي، تشققات = شقائق، والنعمات أصبحت بعد تذكير الآلهة "النعمان"، ومن نفس الجذر اللغوي يُقال عن النعيم، هو مكان سكن الآلهة والأرض الموعودة للصالحين.

اقرأ/ي أيضًا: تواطؤ الكاتب مع الموت

حكاية تموز لم تختفِ من الوجود، بل لبّست في كل عصر حاشية من الثياب والطقوس الجديدة، وبقي جوهرها واحدًا ومنها طقوس عاشوراء في ندب الحسين، فهذا ليس طقسًا شيعيًا، ولا خصّ له بالحسين، بل هو إرث قديم جدًا لندب تموز، كان يقام في العراق قبل مقتل الحسين بألفي عام على الأقل. كان الندب وشق الثياب والبكاء والتفجع عادة قديمة في بلاد ما بين النهرين، تمارس على "تموز"، فيصنعون له تمثالًا شبيهًا له كما في مخيلهم، وجه وضّاء شديد الوسامة مع لحية مشذبة، ويلبسونه ثوبًا أحمر، ويحرقون حوله البخور لإحياء حواسه الساكنة بعطر واخز كي يوقظوه من هجعة الموت. فالحواس أول ما تموت قبل الجسد وأول ما تستيقظ بعد الموت.
 
كان المنشدون يردّدون كلّ أنواع المراثي، وبينما يقوم الكاهن بسرد مأساة تموز، وتصوير حالة زوجته الملتاعة -أو أمه إنانا السومرية وهي نفسها عشتار البابلية- ويستحضر بكامل طاقته السردية الدموع واللطم والبكاء.

من هذا الطقس السومري البابلي صدّر العراق طقوس المآتم التموزية إلى معظم حضارات العالم القديم، ولا يزال أهل الطرب حتى اليوم يتباهون بالشجن العراقي الذي يحتل إرثًا عظيمًا من اللاشعور الجمعي في بلاد الرافدين.

تموز الذي عُبد في سوريا، وعرف باسم أدونيس عند الآراميين، وأدوني عند الكنعانيين أو العبرانيين ومعناه السيد "أدون"، وما زالت الكلمة مستخدمة في العبرية حتى اليوم؛ يعدُّ من أكثر الرموز الثقافية القديمة صمودًا وبقاء وتسللًا إلى المخيال الشعبي حتى اليوم.

علّم العراقيون شعوب العالم ثقافة الندب والحداد وتعذيب الأجساد

على ضفاف نهر البليخ، كانت نساء حران في عيد تموز (في النصف الأول من شهر تموز/يوليو) يحتفلن لعشرة أيام بالبكاء المرير على "تاوز"، المشتق من تموز، وكيف قتله ربه وطحن عظامه في الرحى ثم ذرّاها في الريح، وخلال هذه الأيام العشر من الحزن والفجائع لا تأكل النساء شيئًا مطحونًا في الرحى، بل يأكلن حنظة مبلولة وحمّصًا وتمرًا وزبيبًا.

اقرأ/ي أيضًا: هل استطاع مارتن لوثر كينج تحقيق حلم حياته؟

في مصر كان القدماء من المصريين يحتفلون بتموز باسم "أوزوريس" بين شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو، حين تموت الخضرة ويحل اليباس يبدأ الاحتفال بالنحيب، وسكب الخمرة وطقوس التفجع وشق الثياب والولولة، وتذكر سيرة الإله المحتجز في أعماق الظلام، الذي يعود مرة كل سنة في الربيع لتذكير فيه ولكنه يعود إلى قلب الجحيم.

باختصار علّم العراقيون شعوب العالم ثقافة الندب والحداد وتعذيب الأجساد، فاختلط الأصيل بالدخيل وصارا شيئًا واحدًا، يمكن أن تراه اليوم في مأتم كبير لخلاصة ثقافات غابرة ما زالت تعبّر عن نفسها كما في مآتم الحسين.

لمن يريد الاستزادة عليه قراءة كتيب رائع لحسين الجبوري بعنوان "أصوات التفجع في كبرى المناحات"، ومن هو مهتم بتاريخ الحزن والدم والندب سوف يجد الكثير من المثير والمفهوم، ويستطيع تفسير كيف لا تنجو حتى الآلهة من شياطين الكهان.

اقرأ/ي أيضًا: 

إدواردو غاليانو.. شهرزاد الجنوب

يارو ماموت يتحرر من العبودية