نحن أبناء الفجيعة

نحن أبناء الفجيعة

إحدى جلسات الحوار الوطني في السودان (إبراهيم حميد/الأناضول)

في ذلك اليوم، من الأسبوع الذي مر سريعًا خلال هذا الشهر، كان الرئيس السوداني عمر البشير في أبهى زينته، يقدم خطابه الُممل عن الحوار الوطني، وهي مناسبة تتجدد باستمرار، منذ نحو خمسة وعشرين عامًا، دون أن يفضي الحوار المنتظر إلى شيء، ينطلق ببطء وسرعان ما يعود إلى نقطة البداية. أما القضايا المطروحة فهي لا تتغير وأبرزها الهوية، السلام، التنمية، إيقاف الحرب وكتابة دستور دائم للبلاد، نعم دستور "دائم" للبلاد نكتبه كل عامين ونتعاهد عليه، إضافة إلى اجتماعات المصالحة الوطنية، وما أكثرها! ألم أقل لكم أننا نستحق جائزة!

ليس شرطًا أن يكون الحاكم مؤهلًا للحكم، المهم أن يعرف كيف يصنع انقلابًا عسكريًا ناجحًا 

اقرأ/ي أيضًا: السودان.. طعنات الإقصاء

كثيرًا ما نتحدث عن إعطاء الفرصة للشباب للمشاركة في العملية السياسية، ونردد "ببلاهة" أن الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، ولا يتم إدماج الشباب إلا عندما تدق أبواق الحرب، عندها يتم الزج بالشباب ليموتوا ولا يفكر أحد في الإجهاز على رأس الفتنة والتحريض، ليوقف النزيف من مصدره، أو يخمد تلك الحنجرة التحريضية، ويعود أيلول الأسود كما تغني الست فيروز.. أفلا نستحق جائزة؟

نحن أبناء الفجيعة، رأينا كل شئ يبعث على السخرية. رأينا النفط يتدفق وأسعار المحروقات ترتفع، رأينا من يموت بالتخمة ومن يموت بالجوع، رأينا السياسي في قصره والعالم يسكن بالإيجار، رأينا مخبز التوحيد يتلاعب في أوزان الخبز، ورأينا أكثر المسؤولين فشلاً يُكرم من قبل رئاسة الجمهورية، والوزير الذي لا ينجح في وزارة المالية مثلًا يذهبون به إلى أخرى، وعندما يفشل هناك يظل ينتقل بخِفة من موقع إلى آخر، حتى يشيخ في الكرسي ويفقد القدرة على العمل والنُطق، بعدها يصبح مستشارًا للرئيس لأنه بلغ سن الحكمة. أما الحاكم نفسه فليس شرطًا أن يكون مؤهلًا للحُكم، ويحصل على أصوات الناخبين، أبدًا، المهم أن يعرف كيف يصنع انقلابًا عسكريًا ناجحًا ألم أقل لكم أننا نستحق جائزة!

في التاسع من يناير/كانون الثاني سنة 2005، وقعت الحكومة السودانية اتفاق سلام مع الحركة الشعبية، وهو الاتفاق الذي أنهى أطول حرب أهلية في أفريقيا، استمرت لواحد وعشرين عامًا، لكنه استعجل تقاسم السلطة والثروة، وتم تعليق الملفات الخطرة، لكن الشيطان بالفعل يكمن في التفاصيل، كانوا يعرفون ويرددون ذلك القول، لكن لا شيء يضاهي الفرح بالاتفاق حينها. في تلك الأيام سعت بعض المنظمات الحكومية إلى ترشيح أطراف اتفاق السلام، وهما علي عثمان النائب الأول للرئيس وقتها، والراحل جون قرنق رئيس الحركة الشعبية، لجائزة نوبل للسلام، لم يكن مهمًا أن يتحقق السلام فعليًا، المهم أن يحصلا على نوبل، وقد حرصا أن يجعلا خيار الانفصال جاذبًا عوضًا عن الوحدة، وبالفعل انفصلت دولة الجنوب، واشتعلت الحرب فيها، وفي مناطق أخرى، والآن أنا أتساءل أيضًا: لماذا لم يُمنحا جائزة نوبل للسلام ؟

ليس هذا مهمًا، المهم أن بلادنا هى جنة الديمقراطية، وكثيرًا ما يتحدث الحزب الحاكم عن التداول السلمي للسلطة، لكنه مع التداول الذي لا يزيحه عن موقعه، ولذلك سعى إلى تكوين أحزاب بعدد الرمل، حتى أنه أكمل جميع الأسماء الممكنة، ليتحاور معهم، حوار النفس للنفس. أنظروا إلى أسمائها المعكوسة الساخرة: "حزب الحقيقة الوطني، حزب الوطن الحقيقي، حزب العدالة و التنمية، حزب التنمية والعدالة، حزب العدل التنموي، حزب التنمية العدلية، أحزاب الأمة .. فدرالي، ذاتي، كونفدرالي، مركزي، أولمبي" والبقية عددها أكثر من مئتي حزب، وبالرغم من ذلك لا يهتم السودانيون كثيرًا بالسياسة والعمل الحزبي، أفلا نستحق جائزة!

أما الخرطوم فهي متسخة وفوضوية لكنها جميلة، يحفها النيل الأبيض والنيل الأزرق، ومع ذلك تشتكي من العطش، ويوم أن افتتحنا سدًا للكهرباء، أضحت الكهرباء تقطع طوال اليوم، والحال نفسه مع غول الفساد المستفحل في البلد. في السودان أيضًا، تنفتح طاقة الأحلام الوردية لرؤساء الأحزاب بعد الثمانين، وينتشرون في كل المواقع، وجميعهم يعتقدون أن رباعي الحوار التونسي، أو حتى البلاروسية سيفتلانا ألكسيفيتش الحائزة على نوبل للآداب لم تفعل أكثر مما فعلوا، فلماذا لا يمنحوننا جائزة..فقط لأننا احتملنا أصحاب الفخامة هؤلاء طويلًا جدًا؟

اقرأ/ي أيضًا: أحمد إذ يخترع وطنه..