نجيب الريس.. صقر الصحافة السورية

نجيب الريس.. صقر الصحافة السورية

مقطع من غلاف الكتاب الصادر عن دار الريس

لا يمكن اعتبار السيرة الذاتية، والتجربة الصحافية للصحافي السوري نجيب الريس من السير العادية، أو التي يمكن المرور عليها، مرور الكرام، دون الوقوف عندها، والتمعن فيها. فتجربة الريس الصحافية تمتد ما يقارب النصف قرن، خاض خلالها العديد من مراحل النضال ضد الانتداب الفرنسي، ولأجل القضية الفلسطينية، وما رافقها من معايشة واقعية، واصطدام مباشر مع قادة الانقلابات العسكرية في سورية.

في عام 1928، أصدر نجيب الريس صحيفة "القبس" اليومية، بالاشتراك مع محمد كرد علي

تؤرخ سعاد جروس، في كتابها "من الانتداب إلى الانقلاب.. سورية زمن نجيب الريس" (دار الريس) لمرحلة الريس في تلك الفترة، وما تبعها من مراحل ساهمت بشكلٍ، أو بآخر، في كتابات الريس، في الصحف التي عمل بها. فالكتاب من حيث المضمون، يذهب إلى تأريخ مرحلة مهمة من تاريخ سوريا، منذ نهاية الربع الأول، وحتى بدايات الربع الثالث، قدمه الكتاب بشرح مسهب، وإغراق بالمواقف السياسية، التي كان بعضها غائبًا عن الذاكرة السياسية، ليكون شهادة توثيقية، تضاف إلى الشهادات المنشورة عن تلك المرحلة.

وتعود بداية انخراط الريس في العمل الصحافي "الربع الأول من عقد العشرينيات" عندما التحق بـ "حزب الشعب"، وكتب أولى مقالاته الصحافية ضد الانتداب الفرنسي، بعد معركة ميسلون، فيعتقل على أثرها، مع عبد الرحمن الشهبندر، ليتخلى بعدها عن الدراسة في كلية الحقوق، ويبدأ بمزاولة مهنة الصحافة، وفي عام 1928 تكللت أولى نتاجات الصحفية بإصداره صحيفة "القبس" اليومية، بالاشتراك مع محمد كرد علي، وشقيقه أحمد.

استمر الريس في الكتابة مع جريدة القبس اليومية حتى 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 1931، عندما أعلن عن إصدار القبس الجديد، بحجمها الصغير، إلا أن أكثر ما أرهق الصحيفة، التي كان لها عدد كبير من المتابعين، قرارات التعطيل الصادرة من حكومة الانتداب، ولاحقًا في فترة الانقلابات العسكرية.

وتشير الإحصائيات التي أوردتها جروس في كتابها، إلى أنه خلال الفترة الممتدة من عام 1931 حتى عام 1950 "تجاوز مجموع تعطيلها سبع سنوات، أي ما يزيد عن أربعة أشهر في السنة الواحدة"، إلا أن قرارات التعطيل لم تثن الريس عن كتابة "أكثر من 700 مقال ما بين 1920 و1943" يدعم من خلالها الثورة السورية ضد الفرنسيين، كما أنه كتب "ما يقارب 182 افتتاحية على مدى ربع قرن 1928 – 1951"، تناولت العلاقات السورية – اللبنانية، في حين كتب حول القضية الفلسطينية "زهاء 129 مقالاً منذ 1921 ولغاية 1951".

كان نجيب الريس، خلال حياته، من أكثر الصحافيين جرأة في الدفاع عن الحريات، لا سيما حرية الصحافة

نشط الريس خلال فترة الانتداب الفرنسي، بشكل فعال في سبيل حصول سوريا على الاستقلال، والوقوف في وجه مخططات التقسيم، وهو ما جعله يعتقل "ست مرات خلال فترة الانتداب من عام 1922 إلى عام 1943 بمجموع ثماني سنوات عدا التوقيفات القصيرة بعد الجلاء"، تنقل فيها بين سجون القلعة، والمزة، وجزيرة أرواد.

ساهم الريس في تأسيس "الكتلة الوطنية"، بعد الخلافات التي عصفت بـ "حزب الشعب"، الذي كان أحد أعضائه، وكتب في جريدة المقتبس، قبل أن يؤسس للقبس اليومية، فكان في تلك المرحلة من "أكثر الصحافيين جرأة في الدفاع عن الحريات لا سيما حرية الصحافة".

بعد تعرض القبس خلال فترة الانتداب الفرنسي، للعديد من قرارات التعطيل، انسحب الريس منها، وعمل مراسلًا لصحيفة النداء اللبنانية، وعدد من الصحف اللبنانية الأخرى، إلا أنه عاد بعد ذلك، وأصدر في عام 1931 صحيفة "القبس الجديد" ليكون مستقلًا في ملكيتها.

كذلك، واجهت "القبس الجديد" النزعات الانفصالية في سوريا، التي شجعها الانتداب، وكتب الريس انتقادات لاذعة بحق القادة الانفصاليين، وبرزت خلال تلك الفترة قضية ضم "لواء اسكندرون" لتركيا، فنشط الريس ومن معه من الكتاب في سبيل عدم تقسيم سوريا، إلا أن القرار الصادر في سلخ اللواء عن سوريا، شكل لهم صدمة كبيرة، فكتب الريس يومها: "أناس يموتون في أنطاكية، وأناس يخونون في حلب. هؤلاء يطلبون إلى تركيا أن تحتل وطنهم، وأولئك يصارعون القوى الدولية والتركية ليدفعوا أذى الاحتلال عن بلادهم!".

بعد الاستقلال، ونشوء الخلافات السياسية داخل الكتلة الوطنية، شارك الريس في تأسيس "الحزب الوطني" ووصفه وقتها بأنه "الحزب الذي تنتظره البلاد"، وكان من "ضمن الأعضاء الرديفين للحزب"، كما أنه انتخب "أمينًا لسر لجنتي الشؤون السياسية والاقتصادية".

خلال فترة 1946 – 1949، خاض الريس العديد من الصراعات السياسية، بسبب هجومه على الأحزاب الأخرى، والحكومات التي كانت متواجدة، إلا أنه في عام 1949، مدح انقلاب الزعيم الذي برره بعد سقوطه بأن "الزعيم كان يأمر موظفي قلم الدعاية والنشر بكتابة مقالات يومية وتوزيعها على الصحف بالجملة لمهاجمة خصومه"، في حين ترى جروس بأن الافتتاحيات التي كتبها الريس في مدح الانقلاب كانت "مناسبة للتذكير بأنه لولا فساد الحكم لما وقع الانقلاب"، لتؤكد في مكان آخر على أن "كل من عاصره في ذلك الحين قال إنه كان ضد الانقلاب".

مات نجيب الريس قبل أن يشهد تأميم مشروعه الصحافي "القبس"، في عهد الوحدة بين سوريا ومصر

كذلك، خاض الريس خلال فترة الاستقلال، العديد من الصراعات السياسية، ضد خصومه في باقي الأحزاب، والتجمعات السياسية، ومن ضمن تلك الخلافات، يمكن ذكر خلافه مع أكرم الحوراني، أحد أهم السياسيين في تلك الفترة، فالريس اعتقل في فترة انقلاب سامي الحناوي، بعد كتابته افتتاحية يهاجم فيها أكرم الحوراني لاستخدامه مصفحات الجيش في حملته الانتخابية.

وتصف جروس دور الحوراني في تلك الفترة بأنه ساهم في وضع حزمة من القوانين، كانت في "مضمونها ثورة على الحركة الوطنية التي قادت الاستقلال وشرعت ببناء الدولة"، والتي رآها الريس بدوره "تخريبًا للبلاد وزجها في الفوضى عبر العبث بالتراتبية الاجتماعية". أيضًا، من الحروب التي خاضها الريس في سنواته الأخيرة، وقوفه ضد دستور عام 1950، واصفًا بأن الذين "وضعوه لم يضعوه دستورًا لشعب، بل وضعوه برنامجًا لحزب، وهم الذين يؤلفون الأكثرية في اللجنة وفي الجمعية معًا" في إشارة منه لحزب الشعب.

رافقت المراحل الأخيرة من حياة نجيب الريس، وصول أديب الشيشكلي للسلطة، فكانت وفاته في 9 شباط/ فبراير 1952، عن عمر يناهز 54 عامًا، قضاها في سبيل الدفاع عن حريات الصحافة واستقلال سوريا، ليطوي بذلك تاريخ "صقر الصحافة"، قبل أن يشهد تأميم مشروعه الصحافي "القبس"، في عهد الوحدة بين سوريا ومصر. 

اقرأ/ي أيضًا:

"مذكرات عربجي".. حدوتة مصرية يرويها الأسطى حنفي

سوريا كموضة ثقافية