نجاة عبد الصمد: الجنوب.. سيرة العطش

نجاة عبد الصمد: الجنوب.. سيرة العطش

نجاة عبد الصمد (1967)

صدرت رواية "لا ماء يرويها" (كل من منشورات ضفاف والاختلاف، 2017) للكاتبة السورية نجاة عبد الصمد (1967)، التي تروي سيرة العطش في أقصى الجنوب السوري، خصوصًا في أرض مدينة السويداء. تسير الرواية على مستويين: سطح الحكاية محمول على قصة حب ملتبسة وممتدة بين ناصر وحياة، بطلي الرواية، العاشقين الخاسرين اللذين تمضي لعنةُ العطش بمصيريهما بعيدًا عن صبوة الأحلام، إلى حيث لا تصل السهام مراميها أبدًا. ومحمول كذلك على رحلة البحث المضادة عن المياه الجوفيّة على متن الحفارات القادمة من الشمال السوريّ.

تروي نجاة عبد الصمد سيرة العطش في أقصى الجنوب السوري

ثمة خطٌّ موازٍ يحفر في سيرة مجتمعٍ يحكمه الجفاف السياسي، وتقاليد مجتمعيّةٍ شديدة الوطأة على حياة شخوص الرواية، الذين يلوذون إلى فسحة التعليم والثقافة والفنون كبديلٍ عن فشلهم في مواجهة التصحّر السياسي والاجتماعي، الذي انتهت إليه تيارات اليسار مع نهاية القرن العشرين.

اقرأ/ي أيضًا: رواية المُدمن.. صورة بانورامية للعالم السفلي

يحضر المكان في رواية "لا ماء يرويها" للكاتبة نجاة عبد الصمد كبطل إضافي في تحولاته، وفي التباس علاقة عمارة البازلت بساكنيها في قسوتهم ورقّتهم، في جفافهم وتوقهم إلى الماء في آنٍ معًا.

 

من جهة أخرى تضيف رواية نجاة عبد الصمد إضاءات مؤثّرة على عقائد مجتمع الدروز، وعلى عوالمهم الجوانية فيما يبدو أقرب إلى تشريحٍ أنثروبولوجي، ممتزجٍ بالمرويات الشفاهية من الجدّات إلى البنات، وبالأساطير التي أحاطت بتلك الجماعة بعد ارتحالها إلى جبل حوران. 
   
تتنقل الرواية على خط زمني متتابع يمتدّ على مدى النصف الثاني من القرن العشرين، وبأصوات متعددة، أشبه بنشيجٍ خافتٍ ينفلتُ من جغرافيا الجنوب ليبثّ سيرة العطش بمعناه الأوسع، ويفتح نافذة يمكن التلصّص من خلالها على أكثر المجتمعات سرّانيةً في هذا الشرق.

يذكر أن نجاة عبد الصمد كاتبة وطبيبة توليد وجراحة نسائية مقيمة في سوريا، وقد أصدرت عددًا من الأعمال الأدبية هي: "بلاد المنافي" (رواية)، "غورنيكات سوريّة" (سرد)، "في حنان الحرب" (سرد). وفي الترجمة عن الروسية: أصدرت نجاة عبد الصمد "مذكرات طبيب شاب" تأليف ميخائيل بولغاكوف (ترجمة مشتركة)، و"الجمال جسد وروح تأليف فاندا لاشنيفا، بالإضافة إلى موظبتها على نشر مقالاتها في صحف ومواقع إلكترونية عربية.


مقطع من الرواية

ليس في السويداء ولا قراها نهرٌ دائم الجريان يُدغدغ، أرضها، يُرخّم في الليل مواويل الهجيني والعتابا والشروقي والجوفية والهولية لتهدهد الحزن القديم على سواد بازلتها. وليس فيها بحيرة طبيعية تلوذ إلى شاطئها الجنيات الهائمات في الليل مذعورات من قسوة صخر اللجاة. وليس فيها ينابيع تفور من بأن الأرض، يطرطش ماؤها أرجلَ الصغار المستعجلين أن يكبروا ليطالوا نجمًا هاديًا في سمائها الضالّة.

خيرُ أرضها مرتهنٌ لجود سمائها، فإن حبست عنهم غيمها عطشوا.

وللسماء مزاجها السّادي، قد تجرش أرواح السكّان بسنينٍ عجافٍ بلا ذنبٍ اقترفوه سوى أنهم ولدوا على هذه الأرض البعلية الشقيّة. يستمطرون السماء ولا تمطر. يدور أجاويدها بطاسات الوعظ على البيوت والمجالس: "استقيموا يا أخوة الدين، اتّقوا الله في أنفسكم وفي إخوانكم ليرحمنا بالمطر".

تروي الجدّات للأحفاد اكتواء جيلهنّ بجمر العطش، أنّه ذات وقتٍ ليس بعيدًا جدًا بادل المجاهد بارودته أو فرسه بشربة ماء؛ وهو الذي يموت دونها ولا يُسلِمها لعدوٍّ ولا يعيرها لصديق.
 
قيل أنّ هذه الأنهار غائبةُ عن سطح الأرض، لكنّ في جوفها أحواض مياهٍ هائلة ترفدها ثلوج الجبال المحليّة وجبال بلاد فارس وجبال روسيا البعيدة. فوق الأرض، تتقاتل الحكومات على الثروة المائية. دول تركّع دولًا بالعطش، سواء عندها إن مات الآلاف غرقًا بالماء، أو مات آلافٌ عطشًا إليه. وتحت الأرض يسخر الماء من تقسيمات الجغرافيا فوقها، تتعانق المياه ولا تسأل بعضها من أيّة جبال أنت، ولا تزدريها إن كان منبعها في بلدٍ عدوّ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أنطوني هوروفيتز: شرلوك هولمز مات

مقطع من "المتطوعون".. رواية مواسير سكلير