نتنياهو يخرق الحدود إلى الداخل السوري: اعتداء غير مسبوق يثير مخاوف التصعيد
21 نوفمبر 2025
في سابقة هي الأولى في التاريخ السوري، دخل رئيس وزراء إسرائيلي أراضٍ سورية خارج نطاق الجولان المحتل، في خطوة تُعدّ الأخطر منذ عقود، لما تحمله من رمزية سياسية ورسائل أمنية وعسكرية مباشرة.
ولم يكن هذا الاعتداء مجرد خرق ميداني عابر، بل تحركًا منظّمًا شارك فيه كبار قادة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، من وزير الخارجية جدعون ساعر، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، إلى رئيس الأركان إيال زامير، ورئيس جهاز الشاباك دافيد زيني، في مشهد أرادت إسرائيل من خلاله أن تظهر كقوة حاسمة ومقررة على الأرض السورية، لا كقوة طارئة أو في موقف دفاعي.
وجاء هذا الاعتداء تحت ما تسميه حكومة الاحتلال "زيارة" إلى المناطق التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، متجاوزة بذلك حدود المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاق فضّ الاشتباك الموقّع عام 1974. وهو خرق مباشر لاتفاق دولي ظلّ لعقود يشكّل أحد أعمدة الاستقرار النسبي على خط الجبهة السورية – الإسرائيلية.
التحرك بدا وكأنه استعراض قوة جماعي تقوده أعلى المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية في إسرائيل، في رسالة واضحة مفادها: "ثبتنا وجودنا ولن نتراجع"، متجاهلين كل المحاولات العربية والغربية الداعمة للإدارة السورية الجديدة، وضاربين عرض الحائط بالمعاهدات الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
غير أن أخطر ما حملته الزيارة كان تصريح نتنياهو نفسه عبر مقطع فيديو نشره مكتبه من داخل الأراضي السورية، قال فيه: "نحن نولي أهمية بالغة لقدرتنا هنا – سواء الدفاعية أو الهجومية. هذه مهمة يمكن أن تتطور في أي لحظة".
هذه العبارة القصيرة بدت بمثابة إعلان نوايا صريح: لا انسحاب إسرائيلي في الأفق، ولا التزام بأي اتفاق أمني محتمل، بل استعداد دائم لتوسيع العمليات العسكرية وتغيير قواعد الاشتباك متى شاءت تل أبيب.
التحرك بدا وكأنه استعراض قوة جماعي تقوده أعلى المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية في إسرائيل، في رسالة واضحة مفادها: "ثبتنا وجودنا ولن نتراجع"
ويتقاطع هذا التصعيد مع ما نشرته هيئة "البث الرسمية" الإسرائيلية قبل أيام من الزيارة، حين أكدت أن "المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، ولا اتفاقًا أمنيًا سيُوقّع. إسرائيل تريد اتفاق سلام لا ترتيبات أمنية مؤقتة".
وبهذا المعنى، تصبح تصريحات نتنياهو جزءًا من مسار متكامل هدفه التوغّل داخل الأراضي السورية وفرض وقائع جديدة، لا مجرد إدارة وضع قائم.
خطاب مزدوج ورسائل متناقضة
وفي محاولة لتبرير هذا السلوك التصعيدي، قالت هيئة البث إن "جولة نتنياهو وكاتس في الأراضي السورية تأتي في ظل الجهود الأميركية الرامية إلى توقيع اتفاقية أمنية بين إسرائيل وسوريا".
لكن التناقض فاضح: قبل أيام قالت الهيئة ذاتها إن الاتفاق الأمني وصل إلى طريق مسدود، ثم تعود لتبرّر الزيارة بأنها تأتي في سياق جهود التوصل إلى اتفاق. فكيف يمكن لاتفاقية أمنية أن تُبنى على اعتداء مباشر على أراضي الطرف الذي يُفترض أنه شريك في الاتفاق؟ وكيف تقدّم إسرائيل نفسها طرفًا في شراكة أمنية وهي تفرض وجودًا عسكريًا بالقوة؟
هذا التناقض في الخطاب الإسرائيلي ليس عفويًا، بل يبدو مقصودًا لإرباك المشهد السوري وخلط الأوراق، ولإرسال رسائل متناقضة للإدارة الأميركية. إذ تشير هذه التطورات إلى وجود اختلاف واضح في الرؤى بين بعض التيارات في واشنطن وبين الحكومة الإسرائيلية حول كيفية التعامل مع الجانب السوري ومع مرحلة ما بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وهو ما تحاول تل أبيب استغلاله عبر المناورة وفرض سياسة الأمر الواقع على الأرض.
وعلى صعيد الداخل الإسرائيلي، تحمل هذه الخطوة رسالة واضحة تهدف إلى شدّ عصب اليمين المتطرف وتعزيز تماسك الائتلاف الذي يقوده نتنياهو. فالزيارة تأتي في سياق محاولة لرفع مستوى التأييد الشعبي له داخل الأوساط اليمينية التي وجّهت إليه مؤخرًا اتهامات بالفشل، وذلك بعد موافقته على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة، من دون "القضاء" على حركة حماس والمقاومة الفلسطينية.
ردود الفعل السورية
على الجانب السوري، أثار الاعتداء موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتوالت ردود الفعل الشعبية الغاضبة تجاه ما اعتُبر "امتهانًا للسيادة" و"تحديًا مباشرًا لهيبة الدولة". وسرعان ما أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا يدين العملية، إلا أن البيان نفسه أشعل جدلًا جديدًا، بعدما وصف ما جرى بـ"الزيارة غير الشرعية" بدل توصيفه الواضح كـ"اعتداء وخرق خطير للأراضي السورية"، ما فتح نقاشًا واسعًا حول لغة البيان ومدى انسجامه مع خطورة الحدث.
تكشف هذه العملية أن إسرائيل تتحرك اليوم وفق استراتيجية جديدة تتجاوز قصف مواقع أو تنفيذ اغتيالات، نحو تثبيت وجود ميداني داخل سوريا وفرض أمر واقع يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية مرهونة بشروطها. وما دخول نتنياهو وقيادات الاحتلال إلى الأراضي السورية إلا رسالة بأن إسرائيل تستغل هشاشة الوضع السوري. وفي المقابل، تبدو ردود الفعل السورية الرسمية دون مستوى الحدث، في ظل لحظة مفصلية تتطلب وضوحًا سياسيًا وتماسكًا وطنيًا يواجه هذا التحدي غير المسبوق.





