نتنياهو كناخب عربي وحيد

نتنياهو كناخب عربي وحيد

عبد الفتاح البرهان ونتنياهو

"لقائي مع نتنياهو هدفه تحقيق المصالح العليا للشعب". هكذا قال عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة في السودان، في بيان أصدره عقب الكشف عن لقاء جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكي تفهم كثيرًا من تصرفات الرؤساء والمسؤولين العرب عليك أولًا أن تتقن لغتهم وتحفظ معاني الكلمات في قاموسهم، الشعب يعني الحاكم، الدولة تعني السلطة، الإرهاب يعني المعارضة، لذلك عندما يقول أحدهم: "سنقضي على الإرهاب الذي يهدد الدولة ويتحدى الشعب"، تكون الترجمة: "سنقضي على المعارضة التي تهدد السلطة وتتحدى الحاكم"!

عندما يقول مسؤول: "سنقضي على الإرهاب الذي يهدد الدولة ويتحدى الشعب"، تكون الترجمة: "سنقضي على المعارضة التي تهدد السلطة وتتحدى الحاكم"!

التقى البرهان نتنياهو كي يحافظ على مصالحه هو العليا، كما يحبس السيسي أعضاء الأحزاب الشرعية بتهمة محاولة زعزعة استقراره هو، وكما قتل بن سلمان جمال خاشقجي لأنه تحدى إرادته، ربما يسعى كل هؤلاء إلى مصالح بلادهم فعلًا، لكن لأنهم يعتقدون أن مصلحة البلاد في بقائهم، يعادون كل من يتصورون أنه يهدد بقائهم ويزعج استقرارهم على مقاعدهم.

اقرأ/ي أيضًا: المرحلة الانتقالية في السودان.. صراع الأجندة الخفية

بعد أن كان "العسكر" هم أكثر ما يهدد أمن إسرائيل في الربع الثالث من القرن الماضي، أصبح قادة إسرائيل ومن خلفهم قادة أمريكا يفضلون وجودهم في الحكم أكثر من الوجوه المدنية، ففي حين ما زال خطاب العدالة والقانون الدولي والقضية العادلة موجودًا في خطاب الأخيرة، انتهت أجيال النخبة العسكرية التي خاضت حروبًا مع إسرائيل وحل محلها أجيال جمعتها بالإسرائيليين تدريبات مشتركة وقبلات، وفي حين يتطلب الحكم المدني تراتبية مؤسسية في اتخاذ القرار يصل طرفها إلى الشعب الذي ما زال يرفض التطبيع ويذكر الماضي، يقوم الحكم العسكري على القرار الفوقي الأبوي الذي يُفرض على الجميع ويلتزم به الجميع.

لذلك كله كان منطقيًا أن تخشى إسرائيل من حكم الثورة المصرية التي أجبرتها على ترك سفارتها في قلب القاهرة لسنوات، وتفضل حكمًا يقوده شخص قوي مسيطر، وسيكون طبيعيًا أن تُفضل "البرهان" على اتحاد الشغل ومكونات الثورة السودانية الأخرى.

*

أعلن دونالد ترامب صفقة القرن المشبوهة ولم تنظم فعالية واحدة في القاهرة ضدها، وهو حدث لو تعلمون عظيم. في السابق كان استشهاد شاب على يد قوات الاحتلال كفيل بتفجير مظاهرات غاضبة في المساجد والجامعات والشوارع، الآن يعلن الرئيس الأمريكي عن خطة لتصفية القضية الفلسطينية بالكامل، ورد الفعل لا شيء.

جانب مهم في الأمر أن التظاهر في حد ذاته بات محظورًا بلا أي استثناءات أو هوامش، والتعامل معه أصبح في منتهى القسوة، وجانب آخر أن الإجراءات الاقتصادية والتقشفية الصعبة التي اتخذتها حكومات ما بعد 2014 أجبرت المصريين على الانكفاء على ذواتهم، وأن يكون شاغلهم الأهم كسب قوت يومهم والوفاء بمتطلبات معيشتهم، دون أي مساحة لقضايا أخرى داخلية أو خارجية، والجانب الأهم وهو السعي عبر سنوات لإزالة القضية الفلسطينية من قائمة اهتمامات المصريين، لا أغاني ولا أعمال درامية ولا مساحة كافية في نشرات الأخبار، بل واختصار الفلسطينيين في حركة حماس كذراع لجماعة الإخوان التي أصبحت عدوًا في الخطاب الرسمي والشعبي المصري ومن ثم أصبحت حماس عدوا وبالتالي أصبح الفلسطينيون أعداء.

لا تُقدم إسرائيل كعدو في الإعلام المصري، على العكس، يقال إنها لم تعد عدوًا وأن دولًا أخرى مثلًا تركيا هي العدو الحقيقي

في المقابل، لا تُقدم إسرائيل كعدو في الإعلام المصري، على العكس، يقال إنها لم تعد عدوًا وأن دولًا أخرى مثلًا تركيا هي العدو الحقيقي، ويتم تجييش القنوات والصحف لتقديم جرعة مواد يومية ضد تركيا لتحويل عقيدة الشعب المصري تجاه إسرائيل بعدما تم تغيير عقيدة النخبة الحاكمة فعلًا.

من كان يمكن أن يقدم لإسرائيل خدمات أكثر؟

*

بينما يتم الإعلان عن حق الطائرات الإسرائيلية في استخدام سماء السودان، كان مواطن سعودي يتباهى باستقبال "صديق" إسرائيلي، قبلها حذّر الداعية المصري خالد الجندي من سب إسرائيل بدعوى أنها تحمل اسم نبي، تزامنًا مع احتفاء مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية بتلقي تهاني من سفارات الإمارات حول العالم لمناسبة عيد حانوكا، واستضافة قطر وفدًا رياضيًا إسرائيليًا في بطولة ألعاب القوى.

اقرأ/ي أيضًا: نتنياهو يفتح إفريقيا.. سر الزائر والزيارة

تجاوز كثير من الحكومات العربية مرحلة عدم اعتبار إسرائيل عدوًا إلى محاولة تقديمها للشعوب كصديق، صحيح أن كثيرًا من الشعوب العربية ما زالت تعتبر إسرائيل العدو رقم واحد، لكن تسارع الأحداث وإحكام الأنظمة قبضتها الأمنية على الشوارع تجعل قبول هذه الصيغة الجديدة مسألة وقت، وتجعل استمرار هذه الأنظمة أولوية أولى لإسرائيل ودوائر صنع القرار في واشنطن.

فبفضلها أصبح ما كان يعتبره الجميع خيالًا في السابق، أمرًا واقعا اليوم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عشقي في تل أبيب.. تعقيب بشأن التطبيع

كيف نفهم التطبيع اليوم من خلال أفكار عزمي بشارة؟