نتنياهو ضد ترامب: من يملك القرار فعلًا؟
8 يونيو 2026
في الساعات التي سبقت فجر الاثنين، اتصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وطلب منه صراحةً ألا يرد على القصف الإيراني قائلًا: "الأمر بات وشيكًا في ما يتعلق بالاتفاق"، وإن المخاطرة بالمفاوضات في هذه المرحلة ثمنها باهظ. ووافق نتنياهو "ضمنيًا"، بحسب ما نقله موقع "أكسيوس" عن مسؤول أميركي رفيع. ثم نفّذ الضربة على أي حال.
تكشف هذه اللحظة وحدها عن أزمة أعمق من أي جولة تصعيد عسكري، تتجلى على شكل أزمة في بنية العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث يقول الحليف الأكبر "لا"، ويفعل الحليف الأصغر ما يشاء، ثم لا يدفع ثمنًا يُذكر.
ترامب: "أنا من يتخذ القرارات كلها"
لم يُخفِ ترامب رغبته في فرض الوصاية الكاملة على القرار الإسرائيلي. في مقابلته مع "فايننشال تايمز" قال بوضوح لا يقبل التأويل: "نتنياهو لن يكون أمامه أي خيار سوى قبول الاتفاق الذي نبرمه مع إيران. أنا من يدير اللعبة ويتخذ القرارات كليًا، وهو لا يتخذ القرارات هنا."
لفهم ما حدث من الواجب قراءة البنية السياسية الداخلية التي يعمل منها نتنياهو. فقد كتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير على منصة "إكس" بعد بدء التصعيد: "يجب أن تحترق طهران". هذا ليس تصريحًا عاطفيًا عابرًا، بل ضغط مؤسسي على رئيس حكومة يعلم أن ائتلافه ينهار لحظة توقف الحرب
وفي مقابلة مع "فوكس نيوز" خاطب طهران قائلًا: "لقد أطلقتم صواريخكم وهذا يكفي، عودوا إلى طاولة المفاوضات."
هذا الخطاب يحمل رسالتين متناقضتين في آن واحد: رسالة لإيران مفادها أن واشنطن تريد الاتفاق لا التصعيد، ورسالة لإسرائيل مفادها أن الوقت الأميركي لا يتسع للمغامرات العسكرية. لكن المشكلة أن نتنياهو قرأ الرسالتين وتصرف كأنه لم يقرأ أيًا منهما.
نتنياهو: الحرب الأبدية كاستراتيجية بقاء
لفهم ما حدث من الواجب قراءة البنية السياسية الداخلية التي يعمل منها نتنياهو. فقد كتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير على منصة "إكس" بعد بدء التصعيد: "يجب أن تحترق طهران". هذا ليس تصريحًا عاطفيًا عابرًا، بل ضغط مؤسسي على رئيس حكومة يعلم أن ائتلافه ينهار لحظة توقف الحرب.
المحلل يوسي ميلمان صاغ هذه المعادلة بالقول: "حقق نتنياهو هدفه المتمثل في الحرب الأبدية بسهولة تامة. لا يوجد أحد في المؤسسة الأمنية يجرؤ على معارضته ولو للحظة، لا زامير، ولا زيني وغوفمان بالطبع، فهما من أشد أنصاره المخلصين، ويفكران مثله، بل ربما أكثر تطرفًا منه".
ووزير الأمن السابق، يوآف غالانت، أضاف بعدًا آخر: "نحن ندفع اليوم ثمنًا باهظًا لإظهار الضعف خلال الشهر الأخير في الضاحية الجنوبية لبيروت. لا يمكن أن يكون هناك وضع يُهدَّد فيه مواطنو إسرائيل، ويُصاب فيه جنود الجيش الإسرائيلي، بينما نعمل وأيدينا مقيدة".
لا ينتقد غالانت الحرب، بل ينتقد طريقة إدارتها. وهذا الانتقاد من الداخل يكشف أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها منقسمة، لكن انقسامها لا يتعلق بالتساؤل عن جدوى الحرب، بل بالتنافس على أسلوب خوضها.
حدود الوصاية الأمريكية
حاول المسؤول العسكري الأميركي الذي أكد لـ"أكسيوس" أن واشنطن "لم تشارك إسرائيل هجماتها"، والذي وصف الغارات بأنها "محدودة النطاق نسبيًا" رسم مسافة بين القرارين، لكن هذه المسافة لها حدود تاريخية راسخة.
لم تشهد العلاقة الأمريكية الإسرائيلية يومًا ثمنًا حقيقيًا دفعته إسرائيل جراء تجاوز الخط الأميركي.
في 1981 قصفت إسرائيل المفاعل النووي العراقي رغم المعارضة الأمريكية، وفي 2006 واصلت حرب لبنان أطول مما أرادت واشنطن، وفي أكثر من مناسبة بنت مستوطنات في أوقات حرجة للدبلوماسية الأمريكية. في كل مرة جاء "الغضب" الأميركي ثم زال، وبقيت العلاقة على حالها.
ما الجديد هذه المرة؟ ترامب يحتاج إلى الاتفاق مع إيران لأسباب تتعلق بالنفط وأسعار الطاقة والتضخم الداخلي، لا لأسباب أيديولوجية. هذه المصلحة الاقتصادية تجعل صبره على نتنياهو أقل من سابقيه نظريًا. لكن المفارقة أنه في الوقت ذاته كان يستعد لحضور مباراة NBA بينما المنطقة تشتعل، وهي تفصيلة لا يمكن قراءتها إلا بوصفها إشارة إلى أن واشنطن لا ترى في ما يجري تهديدًا وجوديًا لمصالحها الفورية.
من يملك القرار فعلًا؟
الإجابة الصادقة أن القرار لا يملكه أحد بشكل كامل. ترامب يملك الخطاب لكن لا يملك الإلزام. نتنياهو يملك الفعل لكن لا يملك نتائجه. إيران تملك الرد لكن لا تملك توقيته وحجمه. والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية منقسمة بين من يريد ضبط النفس تكتيكيًا ومن يريد "إحراق طهران".
ما يجمع هذه الأطراف كلها هو غياب استراتيجية نهاية واضحة. ترامب يريد اتفاقًا لا يعرف شكله. نتنياهو يريد استمرار الحرب لأنها ضمانة بقائه السياسي. وإيران تفاوض وتقصف في الوقت ذاته لأن المفاوضة وحدها دون فعل مواز تُضعف موقفها.
تقرؤون المزيد في: 10 أسئلة تشرح التصعيد الأخير: ماذا حدث بين إيران وإسرائيل؟