نتائج

نتائج "التوجيهي" السرية.. لنهدم آخر قلاع المصداقية

فلسطينيون يترقبون نتائج التوجيهي 2015 (انترنت)

تطل علينا وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بقرار جديد قديم، وهو اعتماد نشر نتائج امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" وفقاً لأرقام جلوس الطلاب، دون نشر أسمائهم الرباعية، كما جرت العادة منذ أن عرف الخلق في فلسطين نظام التوجيهي، باستثناء سنة 2012 حين قررت الوزارة لسبب غير مفهوم قد يغدو مفهوماً بعد انتهاء قراءة هذا المقال، أن تعتمد نشر النتائج بدون أسماء، وهو ما يجعل القرار الجديد قديماً أيضاً. ترفع الوزارة في وجه الجميع مسوغاً قد يبدو مقبولاً لكثيرين، وهو حرصها على خصوصية الطلاب وأهاليهم، رغم أن من المتوقع جداً أن يتساءل كثيرون عن سر هذه الغيرة المفاجئة على خصوصية الطلاب في هذا التوقيت بالذات، فهل أجرت الوزارة مثلاً دراسة ما فاكتشفت على إثرها أن الأجيال الجديدة من الطلاب تمتلك رهافة حس أكبر من سابقتها، وتُلقي بالاً أكثر لخصوصيتها؟!

إن وجه الاعتراض الرئيسي على سرية نتائج التوجيهي يعود بالأساس إلى أن نتائج هذا الامتحان حاسمة جداً في ما يتبعها

على أية حال، كاتب المقال يعتبر نفسه من أكبر مناصري الخصوصيات الفردية ويحترم بشدة حق الأفراد، أي أفراد فضلاً عن طلاب مراهقين، بكتمان معلوماتهم الشخصية، ومع كل ذلك فإن التوجيهي قد يكون الاستثناء الوحيد لديه لهذا المبدأ لأسباب ستغدو واضحة أكثر في السطور القادمة، والتي يمكن تلخيصها في مبدأ الموازنة بين الأضرار والمنافع، بل وحتى دفع أشد الضررين بلغة الفقهاء، إذ أن ضرر جعل نتائج التوجيهي سرية أكبر بكثير من ضرر انتهاك خصوصيات الطلاب.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا بعد الثانوية؟.. دليل طلاب مصر لمختلف الكليات

ببساطة وبشكل مباشر، فإن وجه الاعتراض الرئيسي على سرية نتائج التوجيهي يعود بالأساس إلى أن نتائج هذا الامتحان حاسمة جداً في ما يتبعها، خاصة حين نستذكر التنافس الشديد بين الطلاب على منح دراسية ومقاعد محدودة في تخصصات معينة، يكون فيه حتى فارق العُشر في المعدل مهماً، وبالتالي فإن نشر نتائج الطلاب بأسمائهم يُساهم في زيادة مقدار الشفافية، ويُتيح المجال لشيء من الرقابة المجتمعية، ويقلل من احتمالات تمرير أحد الفاسدين لأحد أبنائه الفشلة في تخصص ما في جامعة ما بمنحة دراسية ما، وهو ما حصل فعلاً من قبل في حالات عديدة، لم يمضِ على فواح رائحة آخرها سوى أسابيع قليلة، إذ أن وجود النتائج كاملة بأسماء أصحابها في أيدي الناس يؤدي في الغالب إلى تنبه بعضهم إلى الأمر، وبالتالي فضح الجامعة والأشخاص المتورطين على رؤوس الخلائق، حتى إن لم يتجاوز الأمر في نهاية المطاف ثورة فيسبوكية أو عاصفة من الانتقادات الافتراضية، كما يحب أن يروج الفاسدون دائماً للتقليل من أثر مهاجميهم، فإن ذلك على الأقل يحول بين اللصوص وبين استمتاعهم الكامل بسرقاتهم، ويُراكم في وعي المجتمع جريمة فساد أخرى قد يحتاج إلى استدعائها لكشف ملابساتها لاحقاً.

بناءً على ما سبق، فإن من حق الجميع التشكيك في غاية إخفاء نتائج التوجيهي في أي عام، ابتداء من سنة 2012 الاستثنائية، وعدم استبعاد أن يكون الحرص على خصوصيات الطلاب ذريعة لتمرير أمر ما من خلف الستار، دون الحاجة لذرة من سوء الظن، فالواقع والتجارب الماضية تدفعان أي متابع دفعاً للتفكير في هذا الاتجاه! فعلى سبيل المثال، افتُضح أمر إحدى الجامعات الفلسطينية في الضفة قبل سنوات حين قبلت أحد أبناء المتنفذين في تخصص مرموق، رغم أنه لم يكن ناجحاً في امتحان التوجيهي من الأساس، وكان الفضل في كشف الفضيحة يعود إلى وجود النتائج بين أيدي الناس، ولكم أن تتخيلوا كيف سيغدو الأمر مرتعاً الآن لأمثال هؤلاء إذا ما غدت النتائج سرية، فالوزارة باهتمامها ذي الطابع السويسري بخصوصيات الطلاب، تقدم بيئة مثالية لانتعاش الفساد على غرار أعرق مراتع الفاسدين في العالم من العراق وأفغانستان إلى بنما! 

كما أن الأمر يغدو كارثياً أكثر في ظل عدم إلزام الوزارة للجامعات الفلسطينية بنشر قوائم للحدود الدنيا لمعدلات التوجيهي التي تم قبول أصحابها في التخصصات المختلفة كل عام، فخطوة كهذه من شأنها المساهمة في تعزيز الشفافية وإتاحة الفرصة للطلاب للتأكد من أن رفض قبولهم للتخصص الذي رغبوا به بشدة كان فعلاً لأن مجموعهم لم يكن كافياً، والأهم التأكد من أن أحد أبناء المتنفذين الفاسدين بمجموعه القريب من قياس الحذاء الموجود في قدمه أو داخل جمجمته، كما هو شأن أبناء اللصوص عادة، لم يتمكن من القفز عن هذه المتطلبات واحتلال مكان لا يستحقه كما فعل أبوه من قبل. ومن الجدير ذكره أن هذا الإجراء معمولٌ به في إحدى الجامعات الفلسطينية، التي لا يُمكن حقيقةً الجزم بنواياها بهذا الخصوص، إذ أن من المرجح أن دافعها خلف ذلك المساهمة في تعزيز صورتها النخبوية بقبولها لطلاب بمعدلات عالية في مختلف التخصصات، ولكن في كل الأحوال وبغض النظر عن النوايا فإن هذه الخطوة تستحق الإشادة، والأهم التعميم على باقي الجامعات، وخاصة تلك المشوب تاريخها بفضائح قبول الطلاب الراسبين في التوجيهي، كما ورد من قبل.

يُمكن القول أن التوجيهي ونتائجه غير السرية هما آخر ما تبقى للفلسطينيين من مصداقية في واقع يعج بشرعيات الأمر الواقع

بالإضافة إلى كل ذلك، فإن عدم نشر النتائج بشكل عام يقلل من بهجتنا عادة بالتوجيهي واحتفاءنا به، فقد أصبح موسما التوجيهي و قطف الزيتون جزءاً لا يتجزأ من روزنامتنا السنوية بل وثقافة مجتمعنا الشعبية في فلسطين، بكل ما يصاحبهما من طقوس جميلة تتناقلها الأجيال وتضيف عليها لمستها. كل هذا لا يعني عدم الاستياء من الاستخدام السيء للأمر، سواء من قبل "المتفشخرين" أو الشامتين في الحي والقرية والعائلة الممتدة، ولكن من جديد، فإن ضرر إخفاء النتائج أكبر من ضرر تحمل رؤية تفريغ أصحاب الفئتين المذكورتين لعقدهم النفسية في يوم النتائج. 

يُمكن القول أن التوجيهي ونتائجه غير السرية هما آخر ما تبقى للفلسطينيين من مصداقية في واقع يعج بشرعيات الأمر الواقع، فهم لم يختاروا أحداً ليمثلهم منذ سنوات متطاولة، كما أن حريتهم وديمقراطيتهم السويسرية بخير إلى درجة إطلاق النار على بيوت المعلمين ليلاً لأنهم أضربوا عن العمل مطالبين بحقوقهم وبنقابة تمثلهم، كما أن هذه ليست المحاولة الأولى للتلاعب برأس مال الفلسطينيين، أي التعليم الذي عرفهم العرب به وضربوا الأمثال باهتمامهم به، فمن الواضح أن لمصداقية التوجيهي أعداء كثر، كيف لا وهو يمثل الفرصة الأخيرة لأبناء الفقراء والبسطاء والأنقياء لحيازة ما يستحقون بكفاءتهم من مهن ومواقع مجتمعية، ممن لا ينتمون لأي من الفصائل والدكاكين السياسية التي تملأ السوق الفلسطيني، وممن لا يُتقن أباؤهم فن التسحيج ولعق الأحذية واللعب على الحبال! 

اقرأ/ي أيضًا: 

تغييرات على مادة "التربية الإسلامية" في المغرب؟

الأمن المصري في مواجهة غضب طلاب الثانوية