نبيل صالح.. هكذا تكون العلمانية الأسدية!

نبيل صالح.. هكذا تكون العلمانية الأسدية!

صورة من حملة نبيل صالح الانتخابية، دمشق 2916 (فيسبوك)

منذ أن دخل الكاتب نبيل صالح، صاحب ومدير موقع الجمل الإلكتروني، قبةَ مجلس الشعب السوري لدورته التشريعية 2016 – 2020، وهو يحرص على أن تبقى خصومة قلبه مع الحكومة، التي يصر على أن يرى فيها مصدر كل شرّ وبلاء قد يلحق بمواطنيه الأبرارالذي نذر نفسه للدفاع عن مصالحهم.

كل حكومة من حكومات الأسد هي حكومته شخصيًا، فهو الذي يحتكر اختيار وزرائها، وهو الذي يحجب الثقة عنهم

لا يخترع صالح عرفًا ولا يبادر لسنّ سنة جديدة في طريقة تعامله الاحتقارية مع الحكومة، التي يصر على تسمية موظيفها بأبناء الحكومة كما لو كانوا أبناء كلب، أو أبناء عاقين لا ذمة لهم، ولا عهد سوى الاهتمام بمصالحهم الشخصية على حساب جموع المواطنين، متناسيًا عمدًا أن كل حكومة من حكومات نظام الأسد هي حكومته شخصيًا، فهو الذي يحتكر اختيار وزرائها، وهو الذي يحجب الثقة عنهم.

اقرأ/ي أيضًا: هرطقة الأسد التشريعية.. المرسوم 16 مدخلًا

في خصومته الجديدة مع الحكومة، أو مع فرع منها، وزارة الأوقاف، يذهب صالح بعيدًا إلى درجة اتهامها بأسلمة مؤسسات الدولة العلمانية، ومساهمتها في إعادة إنتاج كل الظروف الملائمة لإطلاق شرارة الحرب الطائفية ذات الصبغة السلفية من جديد، وهي خصومة وثيقة الصلة بالرؤية التآمرية التي أفنى نظام الأسد وقته لترسيخها في ذهن مواليه العتيدين، كما في ذهن قادة وشعوب العالم، من حيث كون حراك الشعب السوري نحو الحرية لا يعدو عن كونه نسخة من نسخ الإرهاب الأصولي الظلامي، التي يريد هدم دولة آل الأسد العلمانية واستبدالها بدولة دينية على الطريقة الداعشية.

النجاح الذي حققه صالح مدعومًا بمزاج شعبي طائفي وغطاء مخابراتي صلب، لناحية تحويل مرسوم القانون التشريعي 16 الخاص بتنظيم عمل الأوقاف الإسلامية المدعوم بإرادة رئاسية تدعو للتصويت على المشروع دون نقاش، إلى مشروع قانون يحقّ لمجلس النواب تعديل بعض مواده أو حذف ما جاء منها في المسودة الأصلية، دفعت بالرجل إلى أن يبادر للإعلان عن تأسيس "الاتحاد العلماني السوري"، وإعلان بيانه التأسيسي، كما دفعته إلى احتكار منصب المنسق العام له، كما لو كان عمله في مجلس الشعب كمشرع أشبه بتزجية الوقت منه، لا وقتًا ثمينًا لإعداد القوانين ومناقشة مشاريع القوانين المعدة من قبل أولاد الحكومة، الوزراء اللصوص كما يحب أن يناديهم.

البيان التأسيسي الأول للاتحاد العلماني الذي أطلقه السيد صالح لم يكن يحمل في طياته دعوة إلى علمنة الدولة السورية، أي الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، أو بلغة أخرى حيادية الدولة تجاه الدين، ذلك أن علمانية دولة آل الأسد برأيه بديهية لا تحتاج إلى قرائن إثبات، إذ يكيفها أن يكون رئيسها علماني وجيشها علماني ومؤسساتها علمانية. فدعوته كما يبدو لم تنطلق من رغبة في ترسيخ العلمانية في جميع مفاصل دول الأسد، وإنما خوفه من تبددها على أيدي الجماعات الإسلامية، التي تتساهل الحكومة في إطلاق يدها في إدارة شؤون المؤمنين السُّنة سواء عبر مؤسسات وزارة الأوقاف ومكاتبها، أو عبر المؤسسات الدينية غير الحكومية على غرار معهدي الفتح والنور، والتي تحمل في طياتها خطر نشر أفكارها دولة الخلافة الراشدة، حتى ولو لم تكن ترغب في ذلك.

محاججة السيد صالح القائمة على فرضية علمانية دولة بيت الأسد باطلة من بابها إلى محرابها، كون الدول العلمانية وفق قراءة متعمقة لوك فيري صاحب كتاب "أجمل قصة في تاريخ الفلسفة" تنهض على قضيتين جوهريتين لا غنى عنهما لكل دولة علمانية، تقوم الأولى على حيادية الدولة تجاه الدين، أو على فكرة فصل الدولة عن الدين عن الدولة، بينما واقع الأمر يكشف أن دولة الأسد تنحاز بشكل أو بآخر إلى دين على حساب آخر، وإلى مذهب أو جماعة على حساب أخرى، لا لشيء سوى لأنها في جوهرها لا تقيم اعتبارًا للحيادية، بقدر ما تقيم وزنًا لإقامة تحالف بينها وبين رجال الدين لصالحها، وهو تحالف غير مكلف في جوهره ويميل دومًا لصالح كفة السلطة الأسدية، لا لكفة رجال الدين كما يحاول أن يدعي السيد نبيل صالح.

علمانية دولة آل الأسد برأيه بديهية لا تحتاج إلى قرائن إثبات لدى نبيل صالح، إذ يكيفها أن يكون رئيسها علماني وجيشها علماني ومؤسساتها علماني!

رجال الدين المسلمون لديهم فقه طويل مع التعامل مع الغزاة أو أصحاب المشاريع العائلية الاستبدادية، حيث ينهض هذا الفقه على قاعدة تبادل المنافع، فمقابل خضوع رجال الدين هؤلاء لسلطة أصاحب القوة والنفوذ، أو كما يقال "المتغلبون"، والإقرار بحقهم بإدارة شؤون من وقعوا تحت نطاق سلطتهم التي حصلوا عليها بقوة الانقلاب العسكري بالطريقة التي يرونها مناسبة، فإنهم يطالبون الحاكم بمنحهم حرية الحركة في إدارة شؤون رعايهم الدينية مع ما يترافق ذلك من سلطة روحية، وأخرى اقتصادية تحفظ لهم وضعًا اقتصاديًا مريحًا.

اقرأ/ي أيضًا: وسيم الأسد.. لسان حال "مافيوية" السلطة

وقد أثبت هذا التحالف مصداقيته وفعاليته حتى في عز انتفاضة السورين لاستعادة حقوقهم الدستورية المستلبة من قبل دول الأسد الاستبدادية، بما في ذلك رعاياهم الذي شقوا عليهم عصا الطاعة، فلقد وقف معظم شيوخ الإفتاء خلف الحق التاريخي لآل الأسد في السلطة، واستماتوا في اقناع رعاياهم بالتخلي عن المطالبة عن حقوقهم عبر التظاهر السلمي لأنه حرام شرعًا، كما عملوا بكل ما أوتوا من قوة على منع تحويل جوامعهم كمحطات تجمع لانطلاق المظاهرات والاحتجاجات ضد السلطة، ولما لم يستطيعوا عملوا على النأي بأنفسهم عنها، الأمر الذي يسقط كل حجة في يد النائب صالح الذي يدعي بأن شيوخ جماعة الأوقاف كما شيوخ جماعتي "النور" أو "الفتح" قد خرجوا على ذلك التحالف المضمر بينهم وبين السلطة، الأمر الذي يستحقون عليه الطرد من نعيم السلطة التي تفضلت عليهم بالخيرات والمنح والسلطة الروحية والاقتصادية دومًا.

أما القضية الثانية التي لا غنى عنها في أية دولة علمانية فهي فكرة الحرية، حرية الناس، أو قل المواطنين، في ممارسة عقائدهم الدينية بكل حرية أي تكن هذه العقائد، ذلك أن العلمانية لا تقوم على إلغاء الدين أو المعتقدات الروحية من المجتمع، وإنما جعلها أمرًا خاصًا بالمجال الشخصي للفرد. أن يعيش الفرد في دولة علمانية يعني أن يمتلك القدرة على اعتناق ما يرغب من العقائد الروحية دون إكراه، مع إمكانية نقد تلك العقائد، وحتى الخروج عليها، دون أن يترتب على فعلته تلك أيه مسؤولية جنائية أو حرمان كنسي أو اجتماعي من أي نوع كان.

إن كل حديث عن علمانية دولة بيت الأسد حديث باطل، ناتج عن استحالة التلاقي أو تصالح بين العلمانية والاستبداد، فهل يستطيع السيد صالح الخروج على معتقدات جماعته الروحية ونقدها قبل أن يشن هجومًا عدوانيًّا على معتقدات الآخرين، شركائه في الوطن كما يدعي؟ أم أن الأمر مجرد حذلقة كلامية تخفي وراءها مخاوف وجودية عميقة من معتقدات أبناء المذهب السني الجاهزة دومًا للفتك بعُرى الاجتماع السوري، دون أن يجرؤ على القيام ببحث موضوعي عن الأسباب التي تقف وراء مثل هذه الاندفاعات الطائفية المتمثلة بالسعي لاستحضار دولة الخلافة، وتفضيل العيش بكنفها على العيش في دولة الأسد الظالمة؟

الاندفاعات الطائفية في سوريا ليست سوى رد فعل على الدولة الطائفية التي أفنى الأسد الأب عمره في تأسيس هياكلها

لا أعتقد أن السيد صالح يمتلك الجرأة على القول بأن السبب في هذا التهديد الوجودي المتمثل بالاندفاعات الطائفية، ليس سوى رد فعل على الدولة الطائفية التي أفنى الأسد الأب عمره في تأسيس هياكلها، وصولًا إلى تحويلها إلى حكم سلالي، مع حرص كبير منه على إخفاء طابعها الطائفي عبر التستر وراء عباءة وعقائد حزب البعث.

اقرأ/ي أيضًا: خالد العبود.. "تحليلات" تؤذي المشاهد

إزاء المأزق الوجودي لدولة آل الأسد الآيلة للسقوط والدمار، الذي يعتقد السيد صالح أنها سائرة إليها لا محالة، في حال لم تأخذ بتحذيراته المتعلقة بالإشارة إلى الخطر الكامن في أحشائها والمتثل برجالات الدين المتحالفة معهم، الذي سينقضون عليها يومًا ويساهمون بخراب هيكلها، يجد الرجل نفسه مدفوعًا بحس مفعم بالمسؤولية الوجودية بتجنيب الدولة الأسدية مثل هذا المصير الكارثي عبر دعوته لإطلاق الاتحاد العلماني السوري، الذي يرفض أن ينظر له ككيان ذي مقاصد سياسية واقتصادية، مفضلًا التعامل معه على حقيقته كاتحاد شعبي عريض عابر للطوائف والأديان والأحزاب، ذا طبيعة تثقيفية تنويرية لغرس القيم العلمانية في عقول بعض الناس الذي يصرون على العيش في داخل قلاعهم الفكرية الظلامية، التي تدفعهم للتمرد على دولة آل الأسد العلمانية وتفضيلهم عليها العيش في دولة دينية استئصالية مغلقة على الطريقة الداعشية.

التنوير الذي يبشر به صالح لحل معضلة الدولة العلمانية الخالية من مواطنين غير علمانين، لا ينسجم مع اللقب التي منحنه لنفسه كمفكر من العيار الثقيل، إذ بدلًا من أن يقدم تصورات تعزز رؤية فلاسفة التنوير والعلمانية الأوروبيين في القرن الثامن عشر وما بعده، نراه يستعير الأدوات والتكيكات الفكرية لخصومه الإسلاميين الذين رفعوا ذات يوم شعار "الإصلاح الأخلاقي هو الحل"، وقد كانوا يقصدون به أن العمل على إصلاح أخلاق الأسرة هو المقدمة الضرورية لإصلاح أخلاق المجتمع، إلى أن الإحصاءات الأخيرة المؤخوذة من مراكز أبحاث يعتد بها أشارت إلى أن المستوى الأخلاقي للشعوب التي بشروا فيها وفق هذه السياسة، قد انحدر إلى مستويات خطيرة لا تتعدى حاجز الـ14% رغم الجهد المستثمر فيها على مدار ما يقرب التسعين عامًا.

الشيء المفقود في بيان السيد صالح، المنسق العام للاتحاد العلماني، هو ثيمة الحرية، الحرية التي قال فيها الإيطالي بيكو دي ميراندولا صاحب "مقال في كرامة الإنسانية"، قبل ما يقارب الـ600عام، إنها الثيمة الجوهرية التي تجعل من الإنسان إنسانًا، والتي ربط ديكارات بينها وبين العقل "أنا أفكرأنا موجود"، إذ لا تفكير ولا وجود بين امتلاك خاصية التفكير الحر المتخفف من إكراهات الأفكار اللاهويتة والسياسية القديمة.

الغائب عن ذهن المفكر صالح من جديد، فكرة الحقوق الطبيعية التي نادى بها فلاسفة التنوير والتي تقوم على أن الانسان يولد بحقوق طبيعية على رأسها حق الحرية، حرية الفرد في التفكير بالمسائل الدينية و الأخلاقية والسياسية إلى أقصى حد ممكن.

يتوهم صالح أنه صاحب مشروع وطني إنقاذي عنوانه العريض العلمانية، دون أن يفطن أن لا علمانية بدون نظام سياسي حر يقوم على مبدأ التداول السلمي للسطة، والفصل الحقيقي بين السلطات كي لا تتغول السلطة التنفيذية على الجميع، كما هو عليه الأمر في حالة دولة آل الأسد الاستبدادية.

لا علمانية بدون نظام سياسي حر يقوم على مبدأ التداول السلمي للسطة والفصل الحقيقي بين السلطات

مسكين هو السيد صالح العلماني الذي يعتقد بإمكانية نجاح مشروعه بالتعويل على برنامج تثقيفي تنويري يشرح فضائل العلمانية لإنسان يقوم نظام الأسد، الذي هو عضو فاعل فيه، بهدر كراماتهم التي هي ألف باء أي نظام علماني.

اقرأ/ي أيضًا: ليس لدى "المختار البيسي" سوى كتابة التقارير

ثمة مسارب أخرى لتحقق العلمانية في سوريا على نحو جديّ، لا بوصفها حلًا كما تدعي يا سيد صالح "العلمانية هي الحل"، فالعلمانية في جوهرها ليست حلًا، وإنما وسط مناسب لحل العديد من الأزمات المستفحلة في جسد المجتمع السوري المهدد بالحرب والخراب على نحو دائم بفعل سياسات الأسد اللاعقلانية، فالعلمانية التي لا تقطع مع نظام الاستبداد الأسدي ما هي إلا علمانية لذر الرماد للعيون ودعوة زائفة للحفاظ على السلم الاجتماعي، الذي لا يمكن أن يتم صنعه ولا الحفاط عليه من قبل أشخاص ينتهكون قواعده على الطالع والنازل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اضمحلال "ثقافة الآخر"

بنية ومصادر تمويل داعش