نبش القبور.. محاولة فاشلة للتفسير

نبش القبور.. محاولة فاشلة للتفسير

ملصق من مبادرة "يلا سوريا"

نشرت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات لعناصر من نظام الأسد وهم ينبشون قبور سوريين في مناطق من إدلب بعد إعادة النظام السيطرة عليها. محاولات البحث عبر الإنترنت والصحافة والكتب واليوتيوب ومواقع الكترونية وآراء الأديان وحتى الفتاوى وغير ذلك عن تفسير للسبب الذي جعل نظام الأسد يقوم بنبش القبور باءت بالفشل!

بنية النظام الأسدي تجعل ممارساته منسجمة معه ومفسرة له في الوقت ذاته. وبهذا، نفسر نبش القبور بطبيعة النظام

الحوادث التاريخية التي ظهرت هنا وهناك لنبش قبور لم تكن كافية للتفسير، فقد بدت كحوادث معزولة ومنبوذة ومختلفة عن السياق الذي حدث فيه نبش القبور السورية. إذًا لم يكن أمامنا سوى النظر في طبيعة النظام السوري التي تتيح لنا تفسيرًا وحيدًا وهو أن ذلك من طبيعة هذا النظام. بنية النظام الأسدي تجعل هكذا ممارسات منسجمة معه ومفسرة له بالوقت ذاته. أي أننا سنفسر نبش القبور بطبيعة النظام ونفسر طبيعته بنبش القبور...

اقرأ/ي أيضًا: آن برنارد.. شهادة صحفية أمريكية عن بطش الأسد في السجون

روت إحدى المعتقلات خلال الثورة أنه تم إحضار معتقلة أخرى من فرع المنطقة إلى فرع فلسطين وسجنوها معها في المهجع ذاته. بدت المعتقلة (الجديدة) فاقدة لقواها العقلية والجسدية فهي لا تتكلم، وثمة من عليه أن يساعدها في الطعام والشراب والاغتسال والاستحمام وغير ذلك. وعبر معتقلة أخرى  كانت معها في السجن ورافقتها إلى فرع فلسطين عرفت المعتقلات أنها كانت سليمة معافاة لدى اعتقالها، إلا أنها فقدت قواها العقلية والجسدية من شدة التعذيب الذي تعرضت له، وخاصة عندما وضع المحقق عصاة في فمها ففقدت النطق بداية. لم تستطع المعتقلات الأخريات معرفة اسمها، ولا من أين، ولا أية معلومة منها بصفة شخصية. كانت أحيانًا تصرخ فقط... ومع هذا كان السجانون يضربونها ويشتمونها ويهينونها، وذلك دون هدف، كالحصول على معلومات مثلًا، أو لإخضاعها، أو لإسكاتها، أو لأي سبب آخر... كانوا يقومون بتعذيبها وهم يعرفون أنها فاقدة لقدراتها العقلية والجسدية. لا تفسير، سوى أن ذلك من طبيعة النظام الأسدي.

تلك الحادثة (وهي واحدة من آلاف الحوادث المشابهة) كانت خلال الثورة. وثمة أخرى حدثت قبل الثورة وكنت شاهدًا شخصيًا عليها (وهي أيضًا واحدة من آلاف مشابهة). أحضر عناصر الأمن مجموعة من المعتقلين إلى المهجع الذي كنتُ فيه مع مجموعة من المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي  في فرع فلسطين، وكان من بين المجموعة رجل ثمانيني، بالكاد يقدر على الحركة، وعلى الكلام، وعلى التذكر...!

أخبرنا ذلك الرجل الثمانيني إن ضابط الأمن قال له: لو كنت أعرف وضعك هذا لما اعتقلتك! ومع هذا اعتقله، وعندما عرف وضعه لم يفرج عنه، بل أبقاه وأخضعه للتحقيق بشروط التحقيق مع الآخرين ذاتها: كان يعود من جلسة التحقيق محمولًا، أو بالأحرى مشحوطًا من قبل عناصر فرع الأمن الذين كانوا يقولون لنا: اشحطوه!

كان علينا أن نمسح الدماء عن وجهه المتغضن والمتشقق من آثار الشقاء والعمر، وكان علينا أن نضع خرقة مبللة بالماء على آثار اللكمات والكدمات على وجهه ورأسه... هذا ويعرف ضابط الأمن المشرف على التحقيق والتعذيب أن وضع ذلك الثمانيني لا يؤهله لا للكلام ولا للتذكر، ولا للتعذيب بطبيعة الحال، ومع هذا كان يعذبه ويهينه. سألته ذات مرة: ماذا يريدون منك؟ ماذا يسألونك؟ فقال: لا أعرف، لا أتذكر... ثم سألني: لماذا يضربونني؟ وبالفعل ذلك السؤال يفسر طبيعة النظام الأسدي، والإجابة عنه تفسر أيضًا تلك الطبيعة. وقد عرفت بعد ذلك أن الرجل خرج من السجن إلى المشفى مباشرة وذلك بعد حوالي السنة من اعتقاله!

لماذا يقتل النظامُ السوريُّ الناسَ تحت التعذيب، طالما هم في قبضته، ولا خوف منهم؟

الكثير من ممارسات نظام الأسد لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها: طبيعته. لماذا يقتل الناس تحت التعذيب، طالما هم في قبضته، ولا خوف منهم؟ بدا القتل تحت التعذيب على أنه سلوك منهجي، بمعنى لم يكن حالات فردية خاضعة لظروفها الخاصة المعينة. ولمَ عبر تاريخه جرّف العديد من المقابر، وقتل الحمير أيضًا (بدايات الثورة)، ومارس تمثيلًا بجثث أناس مسنّين خلال اقتحامه مناطق يعيد سيطرته عليها؟ وغيرها الكثير مما لا يحصى فعلًا من ممارسات مشابهة.

اقرأ/ي أيضًا: سيكولوجيا الجلاد.. التعذيب بوصفه فنًّا

نبش القبور يقع ضمن سياق تعذيب المعتقلة فاقدة القدرات العقلية والجسدية، واعتقال وتعذيب الرجل الثمانيني الذي بالكاد كان يواصل العيش، وقتل معتقلين تحت التعذيب، وتجريف المقابر، وقتل الحمير، وغير ذلك.. إنها طبيعة النظام الأسدي. هكذا هو!     

في القواميس العربية تعريف للهمج بأنهم: رعاع لا نظام لهم. وبأنهم المتوحشون. في سوريا ليس لدينا نظام بالمعنى السياسي للكلمة، بل لدينا همج يحكموننا، وهم "الرعاع الذين لا نظام لهم". طبيعة الأسدية إذًا، هي هذه الهمجية. وإليها تعود ممارساته غير القابلة للتفسير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشبكة السورية لحقوق الإنسان: اختطاف وإخفاء 95 ألف شخص قسريًا منذ 2011

المعتقلون قضية وليسوا ملفًا.. تلك هي المسألة!