نازحو الشمال السوري.. في قلب الكارثة

نازحو الشمال السوري.. في قلب الكارثة

يواجه النازحون من الشمال السوري مصيرًا مجهولًا (Getty)

دخل الشمال السوريّ (57 % من محافظة إدلب، الجزء الشماليّ الغربيّ من ريف حماة، أرياف مدينة حلب الجنوبية الغربية، جزء بسيط من ريف اللاذقية الشرقيّ) مرحلة جديدة، عنوانها تسويات روسية – تركية محتملة وقائمة على ربط الطرفين ملف منطقة خفض التصعيد بملفّاتٍ إقليمية أخرى، بعد سيطرة ميليشيات النظام على مدينة معرة النعمان وتصعيدها على جبهات مدينة سراقب.

تُشير المعطيات الميدانية إلى احتمال فراغ مُحيط الطريقين الدوليين من السكّان بشكل كامل خلال الأيام القليلة القادمة، الأمر الذي سينعكس سلبًا على أحوال المناطق الحدودية التي لن تستطيع استيعاب المزيد من النازحين

عناوين يبدو أنّها تتلاقى فيما بينها، وترتبط ببعضها البعض أيضًا، باعتبار أنّ أي تسوياتٍ مُحتملة بين الطرفين لن تكون بعيدة عن سيطرة ميليشيات الأسد على الطريقين الدوليين حلب – دمشق (M5)، وحلب – اللاذقية (M4)، الأمر الذي تضعه روسيا وميليشياتها نصب عينيها، وهدفًا لأي تصعيد جديد قد يتبع سيطرتها على مدينة سراقب، وهو ما يًحيل بطبيعة الحال إلى ثاني عناوين المرحلة، ذلك الذي يُشير إلى موجات نزوح جديدة انتهت قبل يومين في سراقب وريفها بعد إفراغها من سكّانها وإعلانها منطقة عسكرية، وبدأت فعليًا منذ الـ 28 من كانون الثاني/يناير الجاري في مدن أريحا ومحيطها، وجسر الشغور وأريافها، وبلدات جبل الزاوية، غرب المعرة.

اقرأ/ي أيضًا: تصعيد في حلب وإدلب.. هل انطلقت "المعركة الكبرى"؟

تُشير المعطيات الميدانية إلى احتمال فراغ مُحيط الطريقين الدوليين من السكّان بشكل كامل خلال الأيام القليلة القادمة، الأمر الذي سينعكس سلبًا على أحوال المناطق الحدودية التي لن تستطيع استيعاب المزيد من النازحين دون مساعداتٍ أممية فعلية، لا سيما لجهة تأمين المأوى والغذاء والطبابة. فالمنطقة الممتدّة على طول الشريط الحدودي مع تركيا، وبعمق نحو 50 كيلومتر تقريبًا، استقبلت منذ بدء الحملة العسكرية مطلع شباط/فبراير 2019، وحتّى تاريخ إعلان وقف إطلاق النار أواخر آب/أغسطس الفائت، العدد الأكبر من النازحين من أرياف إدلب وحماة الجنوبية والشمالية، والبالغ عددهم وفق إحصائيات فريق منسّقوا استجابة سوريا نحو 966.140 نازحًا.

ومنذ استئناف ميليشيات النظام وروسيا الحملة العسكرية على منطقة خفض التصعيد بتاريخ 2 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، شهدت المنطقة مُجدّدًا حركة نزوح من أرياف مدينة معرة النعمان الشرقية والجنوبية، وأرياف مدينة حلب الغربية والجنوبية، حيث بلغ عدد النازحين حتّى تاريخ إعلان وقف إطلاق النار منتصف ليل السبت، 12 كانون الثاني/يناير، 382.466 نازحًا. فيما وثّق فريق منسّقوا الاستجابة، منذ خرق ميليشيات النظام لاتّفاق وقف إطلاق النار في الـ 16 من الشهر الجاري، وحتّى يوم الخميس، 30 من الشهر نفسه، نزوح 268,298 مدنيّ، 119.774 من حلب، و148.524 من إدلب.

وبناءً لهذه الاحصائيات الصادرة عن فريق منسّقوا استجابة سوريا، يكون عدد النازحين قد وصل، حتّى يوم الخميس، 30 كانون الثاني/يناير، نحو 1,616,904 موزّعين على المناطق الحدودية، وهو عدد كبير مقارنةً بمساحة المنطقة والإمكانيات المتوافرة فيها أيضًا، لا سيما وأنّ عددًا كبيرًا من النازحين الجُدد دون مأوى، وسط ندرة وجود منازل للإيجار وامتناع عددٍ من البلدات والقرى عن تحويل مدارسها لمراكز إيواء، منها على سبيل المثال بلدة سرمدا التي شهدت ليلة أول أمس مواجهاتٍ بين سكّانها ونازحين من مدينة معرّة النعمان بعد رفض السكّان فتح المدارس لهم.

يؤكّد اعتداء سكّان سرمدا على النازحين احتمالية انفجار الوضع في الشمال، لا سيما وأنّ عدد النازحين القادمين من منطقة أريحا وجسر الشغور أخذ بالارتفاع، والحديث هنا عن منطقة يسكنها مليونان ونصف نازح تقريبًا، مليونان و330 ألف في أريحا، بينما تُشير التقديرات إلى وجود أكثر من 150 ألف شخص في جسر الشغور ومحيطها. ممّا يعني، إن تقدّمت ميليشيات النظام نحوها، أنّ المنطقة الحدودية ستكون مضطّرة لإيواء أكثر من ثلاثة ملايين نازح، وذلك وسط ظروف اقتصادية ومعيشية سيئة ستضع هذه الأعداد برفقة سكّان المنطقة إزاء كارثة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، ولكنّها حتمًا ستكون كارثية.

يقول عبد السلام أبو حسين أحد النازحين من ريف معرة النعمان الشرقيّ الذي وجد لنفسه وعائلته مكانًا في مخيمات بلدة بنش، لـ "الترا صوت": "الوضع في المخيم جيد مقارنةً بأماكن أخرى. على الأقل لدينا مأوى، بينما هناك أعداد كبيرة من النازحين بلا مأوى وسكن". ويضيف: "لكنّ الوضع لا يبدو مطمئنًا، لأن الجيش قد يواصل التقدّم أبعد من مدينة سراقب، وبنش تبعد عنها نحو 16 كيلومتر، مما يعني أنّها مهدّدة أيضًا، وأنّنا سنكون حينها مجبرين على النزوح مجدّدًا باتّجاه المنطقة الشمالية، والبقاء دون مأوى لأنّ المنطقة أساسًا مليئة بالنازحين".

أبو ربيع، وهو عسكري منشق عن النظام، يخشى ما يخشاه عبد السلام أبو حسين، أي مواصلة ميليشيات الأسد تقدّمها وصولًا إلى مدينة إدلب، مركز المحافظة، التي تبعد عن مدينة سراقب، هدف النظام الحالي، 19 كيلومتر فقط. "أنا عسكري منشق مطلوب بالدرجة الأولى للنظام، ولا يخفى على أحد الطريقة التي يتعامل بها النظام مع المعتقلين، لا سيما إذا كانوا عساكر منشقّين. نتأمل أن يكون هدف النظام فعلًا فقط الطريقين الدوليين، وألّا يقترب من إدلب والمنطقة الحدودية".

يُضيف: "سنكون، جميع المنشقّين، هدفًا للنظام لو واصل حملته، إلّا إذا استطعنا العبور نحو تركيا، وهو ما لا يبدو متاحًا الآن، لأنّ الجندرمة يطلقون النار على من يعبر الحدود، عدا عن أنّ المبلغ الذي يطلبه المهرّبون هو 2000 دولار أمريكي، مبلغ خيالي بالنظر إلى أوضاعنا المعيشية المأساوية. إنّنا بالكاد نستطيع تأمين الخبز".

اقرأ/ي أيضًا: الانهيار المتوقّع لهدنة إدلب

يرى أبو ربيع أن هناك المساعدات التي تصل إلى المخيمات تقابلها مساعدات بائسة تصل إليهم في مدينة إدلب، وأنّ المنظمات الإنسانية تركّز على المخيمات وتتجاهل عددًا كبيرًا من النازحين خارجها، أي أولئك الذين تمكّنوا من إيجاد منازل ليست صالحة أساسًا للسكن، ولكنها أفضل من العراء. يقول: "المنزل الذي أسكن فيه على العضم، أي غير مجهّز للسكن، وهو واحد من بين 10 منازل في بناية واحدة مكتظّة بالنازحين الذين يتدبّرون أمورهم بصعوبة".

المنطقة الحدودية ستكون مضطّرة لإيواء أكثر من ثلاثة ملايين نازح، وذلك وسط ظروف اقتصادية ومعيشية سيئة ستضع هذه الأعداد برفقة سكّان المنطقة إزاء كارثة لا يمكن التنبؤ بنتائجها

في هذا السياق، استهدفت الطائرات الحربية الخميس، 30 كانون الثاني/يناير، مدينة أريحا بثلاث غارات أسفرت عن تدمير مشفى الشامي الجراحي، وحيّ كامل من أحياء المدينة، عدا عن واحد من أفرانها. في حين وصل عدد الضحايا إلى 12 مدنيًا، بينهم 4 أطفال و6 نساء، بينما بلغ عدد المصابين 68 مدنيًا، بينهم 15 امرأة، و13 طفلًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نزوح أكثر ومساعدات أقل.. مجزرة إدلب مستمرة