30-يوليو-2015

تصوير (كايرو زوم)

ما إن تسمعها تغني وترى ملامحها المستقاة من وجوه "ألف ليلة وليلة"، حتى يقفز المثل الغجري إلى رأسك "ابق حيث الغناء.. فالأشرار لا يغنون". نادين الخالدي التي عاشت ثلاث حروب طاحنة في بلدها العراق، وتنقّلت بين بلدان كثيرة قبل أن ينتهي بها المطاف في السويد، استطاعت أن تحافظ على نبضها وسلمها الداخلي بالغناء وحده. هذه الثلاثينية، لم تحمل يافطات سياسية، ولم تدخل في "جدل سفسطائي" عن مآلات أرض السواد، لكنها بلا شك نجحت في أن تحمل هويتها في صوتها وعزفها فعلاً على آلة "الساز"، بصحبة جنسيات أخرى: رومان "فرنسا"، دان وجبراييل وفيليب وستيفان "السويد". 

تستعد فرقة "طرباند"، التي تأسست عام 2007، لطرح ألبوم غنائي يحمل اسم "مستنياك"، الذي يتحدث عن القيم الإنسانية للصديق الروحاني والمحبة، ويتناول بشكل أساسي تجربة الطوائف العراقية التي هجرها تنظيم داعش من أرضها وأمكنتها الأصلية. بينما نادين التي أدارت ظهرها لنشرات الأخبار، فكّت قيود الشرائط العاجلة عن يديها، وقالت لجمهورها "دعوني أعرفكم على العراق".

ليس بالضرورة أن أنحاز إلى قواعد.. أنا أنحاز للتجربة دائمًا

  • "طرباند" تضم 5 موسيقيين لا أحد منهم يتقن العربية غيرك، يلحنون لك أشعارك، كيف تنقلين إليهم إحساسك؟

بصراحة ليس هناك منهجية محددة لإصدار ألبوم جديد أو إعداد أغنية، أحياناً كثيرة أستمع إلى الموسيقى التي تلهمني الكلمات، وأحياناً أخرى أطلعهم على أفكار تصلح لأغانٍ فيفكرون بها ويتصورونها لتخرج في النهاية لحناً جديداً. هذه طريقتي في التفكير، ربما في عين أبجديات الموسيقى العربية وأصحاب النظريات الكلاسيكية قد أكون مغنية وعازفة فاشلة. وبالفعل فإن معلوماتي النظرية محدودة جداً، لكن لدي قناعة "أنه ما في شي ما يصير"، فإن كان لدي فكرة على سبيل المثال، أشارك بها أعضاء الفرقة عبر ترجمتها لكلمات، من ثم يترجمونها إلى موسيقى. فليس بالضرورة أن أنحاز إلى قواعد.. أنا أنحاز للتجربة دائماً.

  • عندما نشاهد "طرباند" على المسرح لا يمكن تجاهل "الكيمياء العالية" بين أعضاء الفرقة.. ما هي معاييرك لانتقائهم؟

منذ البداية، كنا أنا و"جابرييل"، موسيقيين اثنين فقط، بالفعل هناك كيمياء تحكم في اختيار توليفة، لكن بالطبع هناك تقنية فنية لا يمكن تجاهلها تفرض نفسها في الاختيار. حصل أن تقدم للانضمام إلى الفرقة موسيقيين على قدر عالٍ من التقنية، لكن الحكم الفصل كان للكيمياء. لا يمكن أن تبني فرقة ليس هناك تواصلاً بين أعضائها، وليس هنالك قيم مشتركة بينهم. تبنينا مواقف متشابه تجاه القضايا الإنسانية والاجتماعية يعزز التفاعل الإيجابي بيننا. وهناك نقطة أود إيضاحها، كل أعضاء "طرباند" مهمين ونكمل بعضنا البعض. صحيح أن صوتي أكثر ما يسمع في الفرقة، لكن هذا لا يعني أن الآخرين لا يقومون بذات أهمية الدور الذي أقوم به. فأنا لولاهم لا لما وصلت إلى ما وصلتُ إليه اليوم، ليس على المستوى الفني فقط، بل على المستوى الاجتماعي والثقافي والإنساني أيضاً.

  • كيف كان مشوار وصولك إلى ما أنت عليه؟

كان صعباً وشاقًا، خاصة مع الظروف النفسية التي صاحبت هجرتي من العراق، وفقداني لأمي مطلع التسعينيات، وأبي مطلع الألفية. لكنه كان ممتعاً بلا شك. علّمت نفسي بنفسي العزف على الآلات الوترية جميعها تقريباً، مستفيدة من تأسيسي في معهد موسيقي للعزف على الكمان في بغداد، فضلاً عن أني نشأت في بيت موسيقي وفني أصلاً، فأبي الفنان كنعان وصفي، له رصيد كبير في الموسيقى والغناء والتمثيل.

  • إلى أي حد تتلاقى صورة بغداد في ذاكرتك بما نراه الآن في نشرات الأخبار؟

ربما ابتعدتُ عن بغداد جغرافياً، لكني لم أبتعدْ عنها روحانياً لو مرة واحدة. فحتى الآن تعيش ذكرياتي هناك في إيقاعي اليومي، إلى الآن أتنفس شخصيات وأصدقاء صنعوا عالمي هناك، وللأسف قتل ما يزيد عن نصفهم خلال السنوات العجاف الماضية. مررت بثلاثة حروب، وهاجرت إلى أكثر من بلد، ودفنت أمي في القاهرة، وأبي في بغداد، وعندها رحلت إلى مكان جديد هو السويد، منحني فرصة أن ألملم نفسي وأسطر بداية جديدة. عندها وجدت أن الفرصة مواتية لإعادة إنتاج العراق، في هويته العظيمة، بأسلوب يتناسب مع حضارته. أحاول من خلال فني وفرقتي أن أقدم صورة أخرى لتلك التي احتلت شاشات التلفاز وعناوين الصحف. فرقتي والأصدقاء والجمهور في السويد يسألوني كثيراً "كيف كانت بغداد؟"، حينها أحاول أن أستعين بصور من ذاكرتي، وفي كل مرة أحاول أن أبحث على "غوغل" عن صور العراق، تطالعني صور الدم والدمار والتعصب والقتل، أشعر بالحزن فهذه ليست بغداد!

  • كثير من المواهب العربية الشابة في الغرب تشعر بالاغتراب.. ألا يحدث هذا معك؟

بصراحة، وجدتني أتقرب نفسياً بصورة كبيرة إلى هويتي العربية، بفضل الموسيقى والشعر والغناء، وهي الصورة التي أحب أن أقرّبها إلى الغرب عن حضارتنا. نحن أيضاً شعوب تحب الطرب. وهذا ليس نوعاً من تفريغ الحنين كما يعتقد كثيرون، أنا أحمل الجنسية السويدية وأتكلم لغتها، وهي البلد الذي دعم مشروعي الفني بقوة، لكن الغناء فعل إنساني محض، وأحب أن أمارس هذا الفعل بلغتي الأم.

الغناء فعل إنساني محض، وأحب أن أمارس هذا الفعل بلغتي الأم

  • لو كان لك أن تقدمي نصيحة لتجارب شابة، خاصة النسائية، في الدول العربية المنكوبة مثل فلسطين وسوريا واليمن.. ماذا تقولين؟

سأكون صادقة إلى أبعد حد، لم يكن لي أن أبدأ مع نفسي بداية جديدة، بعد ثلاثة حروب، دون الاستعانة بالطب النفسي، منذ وصلت إلى السويد، وحتى الآن، أذهب عند طبيبة نفسية، كما كان علي تجاوز كم التناقضات النفسية والفكرية والاجتماعية كي أتعايش مع المجتمع الغربي. وأذكر أن طبيبتي النفسية نصحتني أن أفعل عكس كل ما أعتقد أني مجبرة على فعله، بحكم التابوهات الإجتماعية أو الأفكار الدينية وغيرها، وعندها فهمت أن علي أن أكسر الصورة التي قدمها لي المجتمع عن نفسي. الموضوع يحتاج إلى تمرين، لكنه يحتاج إلى إيمان قوي بالرغبة في التغيير. أقول لأي شابة عربية موهوبة: كوني صادقة مع نفسك، اعترفي لنفسك بما تحبين وبما تكرهين قبل أن تحددي ماذا تريدين.

  • تقدمين صورة مغايرة عن الصورة التجارية للمغنيات في العالم العربي، كيف تنظرين إلى نفسك في هذا الجانب؟

هناك للأسف قوالب يتم تقنين الموهبة العربية من خلالها، خاصة عندما تكون الموهبة امرأة، فأنا منتقدة جداً لدى العرب الذين يعيشون في السويد، ومن النساء أكثر من الرجال، وذلك لأني متصالحة مع جسدي ووزني ولا أسرح شعري عند "الكوافير"، أو أضع المكياج، حتى أني لا "أحف" شواربي أو حاجبي، كما أنهن ينتقدنني لأني لم أتزوج حتى الآن، ربما لا يعرفون ببساطة بأني أجد نفسي جميلة كما خلقني الله، وأقدم أفكاري وقيمي من خلال الغناء. 

  • كيف ترين نادين بعد كل ما جرى معها؟

تشبه شريطاً سنيمائياً بالأسود والأبيض. عندما أتحدث عن حياتي بين بغداد والقاهرة. لكني أعيش حالياً شريطاً سنيمائياً ملوناً يُبث مباشرةً. بالنسبة لي، الفيلمان يعرضان على الشاشة ذاتها، في آن معاً.