مِهڤان.. نزيل الحياة

مِهڤان.. نزيل الحياة

تطريز كردي

"علينا أن نرحل إلى بلاد تحترمنا... أرجوك"، كانت هذه الكلمات تتطاير من فم شيلان بعد أن خرج قرينها الحميم من الظلمة المخابراتية وعيناها تَعبِران لدفء اللقاء. لم تستطع في البداية إقناع ذاك العازم على النضال حتى الرمق الأخير ضد الفاشية في بلاد كانت تسمى سوريا ويحكمها دكتاتور لم يشهده القرن الحادي والعشرين.

في البَداءَة، ما بين صدمة العودة إلى مشاهد النور الملقي أجنحته على الأرض واللقاء الذي كان بعيدًا وأصبح على حين غرة واقعًا، أبى الزوج ترك البلاد خلفه حتى الرمق الأخير في سبيل النضال لتحرير الحرية المقيدة بسلاسل ثخينة.

مع تسارع الأيام وملاحقتها لبعضها البعض دون جدوى، استطاعت الزوجة إقناع شريك حياتها في ترك البلاد بمساعدة بعضٍ من الأقرباء الذين كانوا في لحظات ما يصح تسميتهم بـ"أبعداء".

بعد ما يقارب الثلاثة أشهر غادر الزوجان الحالة الديستوبية التي كانت تتغلغل في شرايين حياة البلاد، وفي كيان الأم، في إحدى دهاليزها، كان يكبرُ حلم سُميَ مِهڤان، أي الضيف باللغة العربية.

لقد كبُر ذاك الحلم وبدأ يقترب إلى واقع يتحقق فيه ويصبح كيانًا مستقلًا مثل غيره من الكيانات الآدمية.

أمضى مِهڤان أشهرًا عديدة أثناء رحلة والديه إلى اليوتوبيا، حُرم فيها قسرًا من التغذية اللازمة سبب الظروف الأليمة التي مر بها الوالدان وقت عبورهم للجسر الواصل ما بين الدمار والعمران، ما بين الموت الأبدي والحياة المؤقتة.

بعد أيام ٍ من وصولهم اليوتوبيا أُدخلت الأم المنهكة إلى أحد المشافي سبب لزومية الولادة.

في الحق، كان يتوجب على مِهڤان الخروج من الإقامة الجبرية والانتقال الى أخرى مع بعضٍ من الميزات مثل حرية التنقل والحركة بعد انقضاء حُكم تسعة أشهر، لكن الظروف القاسية طعنت في الحكم ليصبح ستة أشهر ونيف.

بينما كانت كريات الأم الحمر تزداد ودرجات حرارة جسمها تهبط أثناء التخدير المنوم للحس والشعور، كان زوجها مُقتعدٌ على كرسي أسود في ممر قرب غرفة العمليات يدلك راحتي يديه مع بعضهما تارةً ويمشي على اثنين تارة أخرى، محاولًا بذلك أن يكون زئبقيًا بعيدًا عن كتل الأفكار المكدسة فوق بعضها البعض.   

شق الأطباء بطن الأم إلى فلقتين ليخرجوا سراح مِهڤان من الإقامة الجبرية. تناول طبيبٌ الطفل بحذر واستلَّه إلى الفضاء الخارجي ليصبح بذلك رقمًا جديدًا يُضاف إلى عداد الأمة الآدمية. كان مِهڤان ينتحب بشدة ولم توقفه مراوغات الأطباء عن الزعيق. غريب جدًا كان ذلك الطفل النحيل، أكان يبكي لاعتناقه الحرية؟ أم لخروجه مبكرًا بعملية قسرية؟؟

بعد برهة من ذلك أُخبر الوالد المنهمك في الأفكار عن صحة زوجته المستقرة وولادة طفلهم، الذي أُخذ إلى غرفة الحواضن المخصصة للقادمين الباكرين إلى الحياة. طالبين منه الصبر.

حقيقة الأمر، إن غرفة الحواضن تلك تشبه المقبرة والحواضن ليست سوى قبور متلاصقة ببعضها البعض، والفرق ليس بالشاسع فمقبرة الحياة هذه مكللة بالنظافة ومُدعمة بالأجهزة للترحيب بالقادمين، أما الأخرى فهي للراحلين أبديًا.

بعد سويعات عديدة من أحاسيس مختلطة بالسعادة والحذر من القادم قيل للوالد أن الطفل قد توفي نتيجة هزاله الشديد الذي لم يكن يتعدى ستمائة غرام. حاول والد ذلك الطفل المتوفى توًا إقناع نفسه أن موت ذاك ليس إلا حلم يراوده أثناء النوم. لكن حقيقة المشهد فرضت نفسها عليه بعد ضرب رأسه عدةً بالجدار حتى أن أدركته واقعية المشهد الذي كان مقامًا على أنقاض حرب كانت قد عصفت ببلادهم التي كانت تسمى في يوم ما سوريا ".

"وكأن السماء هي التي أسمته مِهڤان لتستضيفه الأرض وتودعه على عجلة"، بهذه الجملة أنهى السبعيني قراءة هذا القصة التي يُقال إنها  قد حصلت في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم لجأ إلى النوم. هناك حيث زاره مِهڤان... ضيف الحياة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تحت سمت الجحيم

رسائل الرّيح