مَن يُنظم انهيار السيسي؟

مَن يُنظم انهيار السيسي؟

شاب مصري أثناء مواجهات مع الشرطة في آذار/مارس 2013 (Getty)

كان حسني مبارك ديكتاتورًا حسن الحظ، لم ينجح فقط في كسر الأرقام القياسية للبقاء في السلطة في المنطقة باقترابه من حاجز الثلاثين عامًا الذي أغراه بتوريث ابنه جمال الحكم، لكن كان من ملامح حسن حظه أيضًا أنه حتى عندما انهار نظامه وجد من يُنظّم له هذا الانهيار بحيث يتم بسهولة ويسر ودون خسائر فادحة.

من حسن حظ مبارك أنه عندما انهار نظامه وجد من يُنظّم له هذا الانهيار، بحيث يتم بسهولة ويسر ودون خسائر فادحة

لقد كنت واحدًا من الذين شاركوا في ثورة يناير وشهدوا أحداثها كافة وما زلت أفتخر دائمًا بذلك، وأتذكر أنه عندما قامت الثورة في هبتها الكبرى والصلبة في الثامن والعشرين من كانون الثاني/يناير كانت الأمور عشوائية تمامًا على الأرض، جماهير هائجة تقتحم الأقسام وتحرق وتنهب ولا يوقفها الرصاص أو القتل، بل يغريها الدم بمزيد من التقدم إلى الأمام حتى انهارت أجهزة القمع المدنية تمامًا. لكن هذا المشهد الصاخب لم يلبث أن هدأ وتبلور في شكل أكثر حضارية، ليس من تلقاء ذاته في الحقيقة، لكن بفعل فاعل، كانت هناك تنظيمات سياسية معارضة موجودة على الأرض، عملت على تحويل هذا الهياج الجماهيري والشعبي الجامح إلى "شيء ذي صفة منظمة" هو اعتصام قوى الشعب والثورة في ميدان التحرير بالقاهرة وغيره من الميادين بالمدن والأقاليم المختلفة.

كان وجود الإخوان وحركة 6 أبريل وحركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير... وغيرها من التنظيمات السياسية والأفراد المستقلين عاملًا مهمًا في هذا "التنظيم" الذي أدى إلى تصفية الحركة الجماهيرية إلى مشهد الاعتصام والعصيان المدني، فكان هذا يبني منصة، وذلك يدير مستشفى ميداني، وآخر يشتري ميكروفونًا، ليأتي غيره فيطلق منه هتافًا يوحد الناس، ثم تقوم بعدها مجموعات منظمة بأعمال النظافة والتأمين.. إلى آخر هذا المشهد الرائع الذي نتذكره جميعا.. ونتيجة لذلك فإن جناحًا ما من النظام عندما شرع في أن يتفاوض مع ميدان التحرير، وأعني اللواء عمر سليمان، وجد وقتها من يجلس معه.. لأنه كان يعرف أن وراء هذا المشهد نظامًا معينًا، وليس مجرد غضب شعبي اعتباطي.. أو على الأقل لم يعد كذلك.

وكان هذا التنظيم سببًا في انهيار النظام بسلاسة رغم الهزة التي أصابت للدولة، ولكنه سمح بأن يظل هذا المكان دولة قابلة للحكم فيما بعد الثورة، فترتب على ذلك كل ما حدث من الأحداث التي حصلت بعدها وكانت الدولة طرفًا فعالًا فيها، أو كانت الطرف الأكثر فعالية.

تعالَ الآن نتصور أن نظام مبارك عندما دقت ساعة انهياره لم يكن على سطح الأرض التي يمتد عليها أية حركات أو تنظيمات سياسية معارضة ذات فعالية، ما الذي كان من الممكن أن يحدث؟ كان سيترتب على ذلك أن تعيش مصر يوم  الثامن والعشرين من كانون الثاني/يناير ممتد إلى ما لا يعلمه إلا الله.. فلم تكن الثورة لتصبح ذات مركز محدد ولا مطالب محددة ولا فيها جهات يمكن الكلام معها، وإنما مجرد جماهير هائجة غير قابلة للقمع تحرق هنا وتنهب هناك وتنسف كل ما يعترض طريقها بلا هوادة ولا يزيدها الدم إلا شبقًا للانتقام، وحينها يتحول سقوط الشرطة وعدم جهوزية الجيش للقمع الخشن المباشر سيناريو كارثيًا، لأنه يهدد بتحول مصر إلى مكان غير قابل للحكم بسهولة فيما بعد هذا المشهد وربما لوقت طويل جدًا.

إذا انهار النظام المصري الآن، فلن يكون في الشارع من يكتب لافتة، بل فقط من يحمل شعلة وزجاجة بنزين

مصر اليوم مهددة بلحظة مثل تلك، أسباب سقوط نظام مبارك كلها موجودة اليوم ومضروبة في عشرة، إذا جمعت معطيات التردي الاقتصادي الشامل وغياب العدالة الاجتماعية وغياب الحريات ويأس الجماهير من السياسة، الذي تجسد جليًا في عزوفها عن الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إضافة إلى الصمت الرهيب والتجهم الشديد الذي يتلبس وجوه العامة في الشارع المصري اليوم، فسترى إن كان لديك بقية من بصيرة أن هذا البلد مقبل على حدث جلل..! 

يغلب على ظني أن هذا الحدث الجلل إذا حصل اليوم فإنه سيكون عشوائيًا تمامًا، لأن من كان بإمكانهم تنظيمه في الماضي أصبحوا اليوم إما في السجون وإما في القبور وإما خارج البلاد وإما فقدوا مصداقيتهم وتأثيرهم تمامًا، فإذا اشتعل هذا البلد مرة أخرى -وهو في الطريق فعليًا- فلن يكون في الشارع من يشتري ميكروفون ولا من يكتب لافتة.. هؤلاء انتهوا، سيكون على الأرض فقط من يحمل شعلة وزجاجة بنزين.

هذا بلاغ إلى كل عاقل في هذا البلد: القادم كارثي.. ولا يوجد أمام الكل إلا انتظار السواد القادم في حسرة أو استخفاف، أو محاولة استباق الكارثة من الآن بحركة سريعة تفتح أمام الناس أفقًا لأمل جديد وتتجاوب بعقلانية وجدية مع احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية بمنأى عن فشل هذا النظام السفيه وتخريفه في تبديد أموال ومقدرات الشعب.. اخلقوا مجالًا سياسيًا ما فيه قدر من الانفتاح على الأقل.. إذا لم يؤدِ بنا هذا إلى تحسين النظام، فلعله يؤدي على الأقل إلى انهياره بالطريقة الآمنة التي نعرفها!

اقرأ/ي أيضًا:

فزاعة "ما العمل؟"

في جلد عبد الناصر