مَديحُ الحيرةِ الخفيفةِ

مَديحُ الحيرةِ الخفيفةِ

1299 مشاهدة
تفصيل من لوحة لـ حمّود شنتوت/ سوريا

لَمْ تَخرجي مِن رَحم امرأة سويةٍ لها ظلٌ غيمةٍ أنثى في العصاري، وظلُّ الحبارىَ في انكشافِ السحَابةِ والجبالِ والحقولِ والبساتينِ آخرَ الليل: الذينَ رأوكِ ملساء، ويخدُشكِ الضوءُ، ويّنِّزُ فمُك الفاكهةَ والقصيدةَ واليقين، قالوا: خرجتِ منَ البحرِ أو من كُمِّ قَميصِ السماء، ثمَّ وجدوكِ غَزالَ الخرافةِ، فَنبَشوا قلبَك بَحثًا عنِ الله، وحينَ لم يجدوا إلّا أنا، صاغوا المعرفةَ على وسعِ ماعرفوا من الحيرة واليقين!

الذينَ رأوكِ حارةً وناريةَ الطَبعِ، ولَكِ دأبُ العشبِ في الأخضرِ، والتباس المعنىَ على المعنىَ، قالوا: خَرجتِ من فَمِ البُركانِ، وسِلتِ باتجاهِ الأنهارِ والغاباتِ والسهولِ، حتىَ بَردتِ، ولَبِستِ البرونزَ، وصرتِ كائنًا سحريًا، لهُ عصا موسىَ وشَكُّ أصحابِهِ.

الذينَ رأوكِ عاليةً وطويلةً ومشرقةً ومنحدرةً إلىَ الينابيع، قالوا: خَرجتِ من صحنِ الأفقِ وتوضأتِ بالشمسِ، وصِرتِ ساحِلًا منَ الإناثِ، الذينَ قرؤوا لكِ قصيدةً كاملةً بلا اعتوارٍ في الرؤيةِ وخللٍ في الرؤيا وحاجةٍ للصوفي أنْ يفكَّ اللبسَ، استعاروا لساني وطريقتي في الكتابةِ والموت: قالوا لمْ تكُ ثمةَ قصيدةٌ، إنّما نَضحُ بئرٍ عميقٍ نَزَّ بكلِّ سرّه، وماتَ سعيدًا حينَ رآكِ بخفةِ الغزالةِ وقلبِ الذئب ومكائدِ الأنثى، وأيقنَ نجاتَكِ!

الذينَ رأوكِ هَذيانًا، موجةً في بحرِ المستحيلِ، جسرًا هوائيًا بينَ هوتين، التماعةً خفيفةً على وجهِ العتمة، ندبةً فضيةً في صحنِ الكونِ وخدِّ الملكاتِ، ورأوا جنوني فيكِ: قالوا إنَّ أمّكِ العنبُ وأباكِ اليانسونَ المطبوخ، وأنّكِ نَجوتِ منَ الجَنةِ، وصرتِ مثلنا، كائنًا يعدُّ النجماتِ في الظهرِ، ينامُ في سريرِ القلَق ويسكرُ بهذا الخمرِ الرديء، سُبحانَ من سواك، تعبَ ليصنعَكِ، ثمَّ كسرك، ثمَّ لمّك، ثمَّ تركك لحيرةِ العارفِ بالشيءِ والمائلِ للجنونِ، والذي اخترعَ الروايةَ زوجُ الخليفةِ، وكنتُ ندَّ وضّاحِ اليمنَ وحَاكيَّ سيرتِهِ، لمْ أمُت في البئرِ، لم يطلْني سيفُ الوليدِ بن عبدِ الملك، إنّما متُّ في صندوقِ الغواية!

والذينَ وجدوكِ ضفةً تَهفو إلى قرينِها، وتسرّحُ روحَهُ الطويلة في مرآةِ الماءِ، أقسَموا أنَّ الأشجارَ تعشقُكِ والطيورُ تأوي إليكِ، والعشاقَ الذين تحولوا إلى خشبٍ وصاروا سُفنًا صغيرة مَروا بكِ، وعلّقوا أقفالهم على جسورِ الأحلام، ورموا المفاتيحَ للسماء. كَتبوا: الساحرةُ التي كانت نَهرًا، وكلُّ بللٍ مِنها قصيدةٌ، وراحوا فيك بعيدًا.. بعيدًا، حيثُ المجازُ، وحيثُ بلد كانَ موئلَ الأسطورةِ واحترَق. 

أمّا الذينَ رأوكِ صلبةً كآجرٍ مشويٍّ في فرنِ الدهشةِ وشفافةً مثلَ أغنيةٍ هَجينةٍ جمَعتِ الجبلَ بالسهل والنار بالزيتِ والأكسجين، قالوا: خرجتِ من قلوبِ الحَصىَ وحجرِ الأوابد، وأنّهم سَمعوا أنينَ امرئ القيس، يرومُ ملكهُ، وخببَ خيلِ كانَ يسيرُ إلى الأندلسَ، ورأوا في الشقوقِ دَمًا سوريًا يفيضُ على الكون، والذين رأوك حميمةً ودافئةً قالوا: كانت قطعةً من خشبِ سَفينةِ نوح، فآمنوا بكِ، وزرعوكِ، لعلَّ يَحيا الشجرُ ثانيةً، فيكونُ نوحٌ آخرَ وفلكٌ آخرَ.

أمّا الذينَ أوجَدوا تسعًا وتسعين شَبهًا بيننا، قالوا: خَرجتِ من ضلعي، فَصدّقتُ أنّكِ رسولةُ الخصوبةِ، وأننا الوحيدان في الخرابِ بعدَ الحربِ، فتزوجتكِ، وأنجَبتُ منكِ عالمًا جديدًا، وهذا الإنسانُ الشره للحرب، والطيور النقية، والحدائقُ والبحارُ والمحيطات، والحيتانُ والأسماكُ الصغيرةُ، والمياهُ العذبةُ والسرابُ، والغاباتُ والظلمةُ وانكشافُ العتمةِ عن ضوءٍ صغيرٍ، كُلّهم أبنائي، والذينَ رأوني فيكِ، قالوا: كانَ أبًا صالحًا، بترَ أربعةَ أصابعَ من يدِه، وأبقىَ إصبعًا تشيرُ إلى النارِ الكبيرةِ في بيتِ أهلِه، حينَ ضاقَ البيتُ بالأرواحِ وصارَ خيمةً.

لَمْ تخرجي من رحمِ امرأة ولا من ضلعٍ أعوجٍ، يقالُ هبّتْ ريحٌ لينٌ على الصلصالِ فكانتِ ربةُ الينابيعِ والحجّاجُ يملؤونَ منها جرار الأنوثةِ ورهجَ الذهب ودنينَهُ، ويقالُ همى مطرٌ على فخذِ ملكةِ الجانِ وغارَ في الآبار فأنجبَ امرأة شجريةً، ويقالُ اصطدمَ كوكبٌ مائيٌّ بكوكبٍ ناريٍّ واتحدا: ما للماءِ للماء وما للنارِ للنار، فكنتِ. والذينَ لمْ يلمسوكِ ولم يشربوا من فمك ماء الحياة ماتوا عطشىَ، والذينَ رأوكِ عاليةً عاليةً، تسلقوا دَرجَ الموسيقا، وحينَ لمْ يدركوا نهدَكِ تحتَ غَفوةِ الساتانِ وسجدةِ الشيطانِ عليه، بنوا بيوتًا على جزرٍ معلقة في غازِ النيونِ الخفيف. لمْ يَعيشوا سعداءَ أبدًا، لكنّهم أنجبوا حكاياتِ الآلام والأوهامِ، وانتهوا طيورًا فصليةً تَسبتُ في الشتاء وتهاجرُ في الربيعِ إلى بلادي.

اقرأ/ي أيضًا: 

أوكتافيو باث: جسدكِ أثر على جسدك

التابوتُ أعَزُّ الأصْدِقَاء