مي شدياق.. عنصريات الحرب الأهلية باقية وتتمدد

مي شدياق.. عنصريات الحرب الأهلية باقية وتتمدد

لا تتوقف مي شدياق عن استحضار المقولات العنصرية النمطية من زمن الحرب الأهلية (أ.ف.ب)

"لا تجعلونا نترحم على الحرب"، هي العبارة نشرتها الإعلامية اللبنانية مي شدياق ضمن تغريدة على حسابها في "تويتر"، بعد حادثة مقتل المواطن جورج الريف على يد سائق الأجرة طارق يتيم. هذه الجملة العبقرية، أو "الرادعة الإنسانية" كما يظنها البعض، أو كما باتت كـ"ترند" لبناني لكل من يريد التحذير من "خطر" الوقوع في أفخاخ مسبباتها الأولى، أي الطائفية. لم تأتِ هذه العبارة بسياق منفصل عما يُذكّر بالحرب الأهلية، بل كانت استحضارًا حيويًا للماضي، حين غردت أيضًا: "هل كان مسيحي أقدم على ملاحقة أحد في مناطق من غير بيئته؟ أكيد لا. طفح الكيل"، هذه التغريدة سببها اعتقاد شدياق بأن القاتل مسلم والضحية مسيحي. تبيّن بعد ذلك أن كلاهما مسيحيان. اختفت شدياق، وبقيت تغريدتها.

إن مفاهيم جديدًة ترسخت حول قابلية القتل لدى المسلم بعد ظهور داعش

وقعت شدياق في الفخ نفسه، في جملة واحدة. حذرت فيها من استرجاع ماضي الخمسة عشر عامًا من التقاتل، ومن ثم استحضرت مشهدًا صغيرًا إلى المخيّلة الجماعيّة من خلال هذه الجريمة، مُرسّخة بذلك "قابلية" الطائفتين، بحسب اعتقادها، على التقاتل من جديد، و"صحوة" العداوة بينهما.

عمليًا، لا تزال آثار الحرب الأهلية محفورة في أذهان اللبنانيين ممن جايلوها أو في الأجيال اللاحقة الذين يستحضرون مآسيها. لكن الصورة اليوم تبدلت، أو يمكن القول إن مفاهيمًا جديدًة ترسخت حول قابلية القتل لدى المسلم بعد ظهور داعش، وتعميم البعض هذه الفكرة الاختزالية للإسلام من منطلق طائفي تعصبي. انقسم بعض المغردين على تويتر بين مؤيد لشدياق وبين رافض لها، معتبرين أنها تكيل الإتهامات بحق المسلمين من منطلق طائفي، فغرد أحدهم مستهجنًا "هل الجريمة لها مذهب وطائفة؟ هل للجريمة دين؟"، واستشهد آخر  بقول لنيتشه يقول: " من أراد الراحة فليعتقد، ومن أراد أن يكون من حواريي الحقيقة فليسأل"، على اعتبار أنها سلّمت بأن المجرم مسلم من دون أن تتأكد من ذلك.

لا يمكن تبرير موقف شدياق إلا من منطلق شعورها بالكراهية تجاه الآخر المختلف

هذه ليست المرة الأولى التي تكتب فيها شدياق تغريدات تتهم فيها المسلمين بالتطرف، حين ردّت على منتقديها بالقول "أكبر نكتة لما يتّهم أنصار ولاية الفقيه المجبولين بالطائفية غيرهم بالتعصّب مع كلام بذيء من دون أن يفهموا ما كُتب. مصدّقين حالهم عفيفين؟ حرام!!"، معممة بذلك هذه الصورة النمطيّة عنهم. يفترض أنها تعرف، بأن مثل هذه الاتهامات تظلم فئة كبيرة منهم، ممن هم خارج هذه الدائرة أو الانتماء الفكري.

لا يمكن تبرير موقف شدياق إلا من منطلق شعورها بالكراهية تجاه الآخر المختلف، تلك المشاعر الانسحابية التي يصاحبها النفور والعداوة، تعزو عمومًا إلى رغبة في عزل وتدمير الآخر المكروه. يمكن لذلك أن يُبنى على ماضٍ سلبي، أو الخضوع لنظام طائفي لا يزال يُجنّد أبواقاً للدفاع عنه. هذه الكراهية التي تُعمي عن الحقيقة وتبرر الأحكام المسبقة، والتي كشفت عن قابلية لفئة كبيرة من اللبنانيين للإنجرار معها، هدّمت الدعوة "التنظيرية" الشهيرة بضرورة ترسيخ الوحدة بين أبناء الطائفتين في هذا البلد المتهالك. ومناسبة هذا الحديث، رغم انقضاء وقت طويل على الحادثة، هو أن شدياق، مستمرة في تغريداتها، التي للأسف، تمثل فئةً كبيرة من اللبنانيين.

في إحدى تغريداتها، قالت شدياق: "الاستمرار على هذه الحال من الاستهزاء بالمسيحيين وهدر كراماتهم وقتلهم بسبب وبلا سبب لم يعد مقبولاً". واعتبر كثيرون أنها تتحدث عن مسلمين "همج" خارجين عن الدولة. وهو تحريض واضح من قبلها. ولا يُخفى عن كثيرين أن ذلك ينبع من خلفية تساند واقع العنف الحالي، الذي بدوره يسعى لتشويه صورة المسلمين، بأنهم متطرفون ودماء من سواهم مباحة بالنسبة لهم.