ميليشيا الثقافة.. مقهورو الأمس قاهرو اليوم

ميليشيا الثقافة.. مقهورو الأمس قاهرو اليوم

مدينة القامشلي 1950

أحدهم تحسّس مسدسه إذ سمع: "مثقف"! لِمَ فعلَ؟!
والمثقف ترديه صفعة بدلًا من الرصاصة، فمن هو ليخافه "القائد" والسياسي والتاجر والذكي والأحمق. يتوجّبُ أنْ نميز بين مثقفين: أحدهما يستدعي صوته المسدس وآخر هو العون لصاحب المسدس في القتل وكم الأفواه، وهذا من يعرفه ينسب جزءًا من عمله إلى الانتهازية واصطياد الفرص والانتقال من ضفة المعارضة إلى الموالاة، والتنقلَّ بين التدين واللاتدين، بين الإيمان والإلحاد، وبين الأبيض والأسود بكل حدة وتطرفٍ، مطيباتي ولا يسلم من لسعِ من يطيّب لهم أو يموَّل منهم كلمَّا هَززَ ذيله تذمرًا تلميحًا أو تصريحًا، كائن رجراج، متحول لا مشروع لديه بقدر ما لديه من الجلد على حمل حذاء ولي نعمته إلى مصاف رأسه والتبرك بها على عكسِ الآخر المخيف والمشغول بكونية مشروعه والذي استدعىَ حقًا فعلًا مستبدًا وصادمًا ومانعًا، يدأبُ المستبد لأن يقوضّه به اعتقالًا أو اغتيالًا أو تشويهًا.

المثقف ترديه صفعة بدلًا من الرصاصة، فمن هو ليخافه "القائد" والسياسي والتاجر والذكي والأحمق؟

في قديم زماني الشخصي، وهو بائس على أقل تقدير، فيه الكثير الذي يشبه القبر، وفيه من الآلام والأوهام والأحلام ما تنوء بحمله شاحنة خضار قديمة.. في هذا القديم كبرنا أنا وأخي الذي يصغرني بأربع سنين وعشنا يتامى في كنف أخوالنا بعد سجنِ الأب أولًا، وثانيًا بعد وفاة الأم، إذ تزوج أبي فيما بعد من أخرى وذهب عنا وذهبنا عنه. أصبحت في هذه الحالة أبًا لأخي، والأكبر عادة يكون حليمًا ورؤومًا، ولهذا عندما توازعنا أدوار لعبة "العسكر والحرامية" اختار هو دور العسكري رغم جسمه الضئيل وصغر سنه، وصرتُ الحرامي. 

كبرنا معا فلم أستطع أن أكون كما جاء في دوري، بينما صار أخي شرطيًا وما زال، وكنا إذا جلسنا يضع مسدسه على الطاولة التي بيننا، ويبدأ كلمته معي: "أنتم المثقفون"، وكانت تأتي برنتها القديمة عندما كان يلفظها في اللعبة" أنتم الحرامية"! وإن كانت اللعبة آنذاك بالتوافق والرضا، فاليوم لم تبق كذلك، تحولت إلى حقيقة وعليَّ التعامل معها كأمر واقع، ولا أخفي خوفي من المسدس والدفتر الأسود الذي يحمله الأخ الشقيق، والذي يحرص على ألا أراه أو أسأل عما يجول ويصول في داخله من خيل هزيلة، بحسب اعتقادي، أو بحسب كرهي لما أظنه ينطوي على خراب بيوت وضياع أسر.

الأخ/ النموذج مقهور الأمس بحكم اليتم، قاهر بحكم الموقع، وتحول الشرطي في اللعبة إلى شرطي في لعبة الحياة الكبيرة، وتحولت من الحرامي في اللعبة إلى المثقف في الحياة الجديدة (بحسب أخي)، ولأني لم أكن في الحقيقة لصًا آنذاك ولا مثلًا ناجحًا، تقمصَّ الدور وعاشه، وكان على عملية التحول التي طالت أخي وحولته من شرطي صغير إلى شرطي كبير أن تطولني فأصير الحرامي الكبير على أنقاض الحرامي الصغير، لكن صرت شيئًا آخر وصار هو هوَ.

كانت الأنة في حمص تشبه الأنة في عامودا

هذا القديم الشخصي، أسرده بكثير من التحريف فلا أخي شرطي اليوم قاهر كما يجب، ولا أنا كنت الحرامي البائس والمستسلم فيما سلَف. أطالعُ حال بعض (المثقفين) والمشتغلين في الكتابةِ، ممن كانوا يشغلون المواقع والمهرجانات والترشيحات للمهرجانات والفعاليات وكانت لهم يد طولى إما بجهدهم، وهذه حقيقة بعضهم، أو بعلاقاتهم القريبة من النظام الذي ثاروا عليه ورأوا فيه الشيطان الكبير، بعد أن كانوا يرون أن الأمر جائز في التعايش معه بقليل من الحيلة والانتهازية (المشروعة) أو ما سمّوه: إصلاح، كانت "الشلة" نفسها تمنح صكوك الغفران والإبداع للقريب على حساب البعيد غير المنطوي تحت يافطة شلتهم، فيقرأ نصه، وتنهال عليه المدائح لتبرير استفاداته أو منحه جائزة أو تذكرة مهرجان خارج البلد، إذ ليس من الطبيعي أن يحظى نكرة بما لايحظى به عَلَم، وكانت الخطة تقتضي بتلميع الشخص وإلباس نصه صفات خرافية وسماوية لا تتوفر على الأرض، وبهذا يكونُ المشتغل الحقيقي خسر مرتين مرة من "الهبات"، ومرة من التعامل مع نصه بدونية أمام العلو الذي حققه "ابن الشلة"، وربما هو الأخطر فالحال وهذه الثيمة خرجت كتب وأنطولوجيات كرّست بعض الأسماء وتمَّ التعامل معها كوثائق دامغة، لا يمكن التعامل معها من داخلها نقدًا أو تصويبًا أو تعقيبًا فذلكَ ضرب من التعدي على المقدس "فاجتنبوه يا أولي الألباب". 

يمكنني القول إن هؤلاء كانوا يعطون عملهم صفة المؤسسة بحكم معرفتهم بمفاصل الدولة الواهنة، فيضربون في تلك الخاصرة الرخوة، وبذلك يلمعون أمام مرؤوسيهم بأنهم أصحاب عمل وما يقومون به تعزيز لعمل "المؤسسة"، عمل أشبه بملء محاضر الاجتماعات البعثية على سبيل المثال، وأحزاب "الجبهة الوطنية التقدمية" على نطاق أوسع، وبمنحى آخر يظهرون أمام الآخر والذي يحمل ضغينة ضد الشيطان (مؤسسة الحكم) بتوفير عصابة تجيد (اللف والدوران واللعب على الحبال) وهم في الأساس لصوص صغار، يمكن استمالتهم بقليل من الضوء الذي يحتاجونه ليتحولوا وبسهولة إلى قوة ضاربة بالمفهوم العصاباتي، وتكون في هذه الحال لفظة (شبيح) جائزة في الثقافة قبل أن تترعرع في شارع المظاهرات ومن ثم في شارع القتل الطويل، الطويل جدًا.

السوريون الذين انطلقوا إلى الشوارع بأغانيهم وأهازيجهم وأحلامهم وخوفهم، وإن خرجوا من المساجد، لم يخرجوا بلحى طويلة وثياب قصيرة، ليقولوا: نحن مسلمون أكثر من الإسلام، كذلك لم يهتفوا بالدولة المدنية ليقتلوا المتدين المسلم أو المسيحي أو الدرزي أو العلوي أو الإسماعيلي أو الإيزيدي، كانت الأنة في حمص تشبه الأنة في عامودا، وشارع "جامع قاسملو" في القامشلي الذي يحفل بالآلاف من الأقدام تخبط الأرض مزلزلة خوفه المزمن هي نفسها الأقدام التي تخبطُ في دير الزور أو إدلب أو درعا أو دمشق وتحولُ البلد الذي سميَّ يوماً بـ"مزرعة الأسد" إلى مقبرة للأسد، تثبتُ الأيام أنَّ الخائف والمتلطي في قصره لاينعم بالحياة بقدر ماينعم بها طفلٌ في الغوطة يحاصر من الجهات كلها!

تحولُ البلد الذي سميَّ يوماً بـ"مزرعة الأسد" إلى مقبرة للأسد

في الرؤية التي انسحبت على الحال، كانت الثقافة بعرابيها جزءًا من الحال ومدعاة للتحول، وعندما بدأ التحولُ الذي أخذ شكل الحرب، تعسكرَ من تعسكرَ، وتنمرَ من تنمرَ واستأسد من استأسدَ، غيرَ أن الأدهىَ هو من ركب الموجة، ولأنه لم يقفز من السفينة إلا ورأى ساريتها تغطُّ في الماء، فقد أخذ مكانه الجديد على اليابسة وراح يوزعُ بالطريقة ذاتها التي كان يوزع بها وهو في نعيمِ النظام الذي يسميه جحيمًا، بل  تنامى فعل من يعرف "من أينَ تؤكل الكتف" فأكلها، وكل من هؤلاء حوطَّ نفسه بمرتزقة جدد يسندونَ جرته المتهالكة ويرضون بالفتات الذي يرمى لهم، وهم نادرًا عندما تتصفحُ حالهم هذه أن تجد المناسب في المكان المناسب، فالأمر لا يعدو كونه استزلامًا وارتزاقًا وضحكًا على ممول أو موهوم بتبييض مال من زاوية الثقافة، تلك الزاوية التي يجب أن ينظر منها إلى أفق يحدد مصير بلد كامل.

أينَ نحنُ يا أشرار، وهل ما زلنا نلعب "عسكر وحرامية"؟!