ميلة الجزائرية..مملكة الجنان والمياه تبحث عن مجدها

ميلة الجزائرية..مملكة الجنان والمياه تبحث عن مجدها

ميلة الجزائرية مملكة الجنان والمياه تبحث عن مجدها(فيسبوك)

مدينة تبحث عن مجدها الضائع، واستعادة بريقها التاريخي، تعاقبت عليها الحضارات، تعرف بـ"جنان الشرق الجزائري"، كما حملت تسميات عديدة، فكل اسم يخلد الحضارة التي مرت عليها، حيث سكنها الأمازيغ فأطلقوا عليها اسم "أملو"، كما عرفت احتلال البيزنطيين ثم الرومان وفتحها المسلمون وصارت تسمى بمدينة القمح وبلاد الجنان والراحة.

ميلة القديمة، مدينة ليست ككل المدن الجزائرية فهي تعرف بكونها مدينة الألف منبع للمياه العذبة، التي تخرج من الجبال المجاورة لها

تعاقب الحضارات على المدينة الصغيرة، التي تبعد 490 كيلومترًا، شرقي العاصمة الجزائرية، ساهم في تغيير اسمها من "أملو" إلى "ميليوس" ثم إلى "ملوفيثانا" وبعدها "ميلاف" ثم "ملاح"، وأخيرًا "ميلة" الاسم الذي تحافظ عليه ليومنا هذا، إلا أن مختلف المعالم الموجودة في قلب المدينة العتيقة تعرف الإهمال ويهددها الاندثار.

ميلة القديمة، مدينة ليست ككل المدن الجزائرية لخصوصيتها التاريخية، حيث يعتبرها الكثيرون عاصمة للرومان، لأنها حفرت في ذاكرة سكانها اسم "ميلاف" أي باللغة الرومانية، "مدينة الألف منبع للمياه العذبة"، التي تخرج من الجبال المجاورة لها. يؤكد الباحث في علوم التاريخ والآثار محمد سحنون لـ" الترا صوت" ذلك، ويضيف: "فيما وصفها الكثيرون بأنها عاصمة الفتوحات الإسلامية التي شهدتها الجزائر، حيث دخلها القائد أبو المهاجر دينار خلال غزوة الصحابي عقبة بن نافع للشرق الجزائري لنشر الإسلام، وشيد فيها أول مسجد في الجزائر، يطلق عليه اليوم "مسجد سيدي غانم".

اقرأ/ي أيضًا: السياحة الصحراوية في الجزائر.. إهمال متواصل

ملكة الأمازيغ ..تظل هنا

توقف الزمن والتاريخ في "ملو"، اسم المدينة العتيق كما أطلقه عليها الأمازيغ، السكان الأصليون للمدينة، ومعناه "الظل" لوجود الغابات والظلال المحيطة بالمدينة، وحكمتها ملكة اسمها "آمالو"، كما يدل عليه التمثال الموجود في الساحة الكبرى للمتحف الأثري. يقول الأستاذ سحنون إن "المدينة، يحيط بها سور مبني بحجارة ضخمة على امتداد 1200 متر، إلا أن هذا المكان الواحد يضم أربع حضارات تعاقبت عليه، وتركت آثارها".

عيون للمياه العذبة

الداخل إلى مدينة ميلة من جهة الشرق الجزائري يمر عبر منافذ عديدة، فهي التي حملت بين جنباتها حضارة الأمازيغ ثم البيزنطيين وبعدهم الرومان، حيث تزخر المدينة بالعشرات من مصادر المياه واكتشفوا مصدرها الرئيسي في أعالي جبل "مارشو" أو جبل المياه العذبة حيث تسقي عيونه بساتين وأراضي المدينة ومنابع للمياه تمون مختلف المدن المجاورة لها.

وتحافظ المدينة القديمة على عينها الرئيسية، التي يطلق عليها السكان اسم "عين البلد"، لتربعها على موقع وسط المدينة العتيقة، ماؤها عذب وبارد جدًا. ويكشف سكان المدينة في تصريحات متفرقة لـ"الترا صوت" أن "من يشرب من هذه العين يعود دائمًا مرة أخرى لزيارة المدينة"، غير أن المثير في هذه العين أن كل الدراسات لم تتوصل بعد إلى منبعها الرئيسي ومجراها، وهي تحمل أيضًا اسم "العين الرومانية".

غير بعيد عن "عين البلد"، وعلى بعد أمتار فقط، يحيط بالمدينة سور من حجارة ضخمة، يقود الزائر نحو مخرج يسمى بـ" باب البلد" وهو عبارة عن باب شيد بالحجارة، يعتبر المخرج والمدخل الرئيسي للمدينة العتيقة، حيث يشير أحد السكان إلى أن "المدينة كانت قبل سنوات طويلة تعج بالتجار وخصوصًا تجار الصوف والبقول الجافة الذين يأتونها من مختلف المدن المجاورة، فيما بقيت ليومنا هذا دكاكين ومحلات صغيرة، فضلًا عن مقاهي تعج بالزوار ليلاً".

اقرأ/ي أيضًا: بنو مزاب.. ملائكة التجارة في الجزائر

باب البلد في ميلة(الترا صوت)

تحتفظ ميلة بذاكرة أول مسجد بني في الجزائر، وقد بناه الصحابي أبو المهاجر دينار في سنة 59 للهجرة ويسمى "مسجد سيدي غانم"

تحتفظ المدينة بذاكرة أول مسجد بني في الجزائر، حسب بعض الكتب التاريخية، وقد بناه الصحابي أبو المهاجر دينار في سنة 59 للهجرة الموافق لسنة 678 ميلادي، ويسمى "مسجد سيدي غانم"، وهو ثاني مسجد في منطقة المغرب العربي بعد مسجد "عقبة بن نافع في القيروان بتونس. وتشير الدراسات إلى أن الصحابي أبي المهاجر دينار مكث في ميلة لمدة سنتين وجعلها مركزًا لجنوده الفاتحين وأرسل منها الحملات العسكرية وشكلت منطلق الفتوحات الإسلامية حيث أطلق عليها اسم "ملاح" لجمال بساتينها وأشجارها وأرضها الخصبة.

آثار تحتاج لترميم

تاريخيًا، تحول مكان المسجد والمساحة المجاورة له خلال الاستعمار الفرنسي إلى مركز لجنود الاحتلال في المنطقة ككل، غير أنه عقب استقلال الجزائر وبالضبط في سنة 1968 تمكنت الحفريات من اكتشاف كنيسة رومانية مسيحية تحت أنقاض الأقواس الإسلامية للمسجد. ويتأسف الكثيرون لوضعية المسجد حاليًا، حيث تشرف وزارة الثقافة من خلال مديرية حماية الآثار على ترميم هذا المعلم التاريخي، إلا أن سكان المدينة العتيقة لا يخفون حسرتهم على عديد الآثار التي تندثر سنة بعد أخرى.

من جانبهم، يأمل المسؤولون في إعادة ترميم هذه "المدينة المعلم"، بحسب تصريحات والي محافظة ميلة فواتيح مدني عبد الرحمن، الذي أبدى تحمسه لوضع حد للإهمال الذي تعرفه المدينة العتيقة، مؤكدًا، في تصريحات صحفية، "ضرورة الحفاظ على نسيجها العمراني مع اتخاذ خطوات ملموسة للإسراع في أشغال الترميم لهذا الإرث الإنساني والحضاري، بهدف رد الاعتبار لها وجعلها وجهة سياحية بامتياز".

 

مسجد سيدي غانم في ميلة(الترا صوت)

اقرأ/ي أيضًا:

الإسكندرية "مدينة الرب".. في سوق نخاسة رأس المال

من منسيات تونس.. قبر الجندي المجهول