ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

"ميلانيا": لماذا دفع جيف بيزوس 75 مليون دولار مقابل تذكرة واحدة

30 يناير 2026
ترامب وزوجته
الرئيس الأميركي وزوجته خلال عرض "ميلانيا" (رويترز)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

في واحدة من أكثر القصص السينمائية غرابة وإثارة للهزء والامتعاض، ما جرى في الأيام الأخيرة تحت سمع وبصر محبي أفلام السينما ومترقبيها، إذ خرج الفيلم الوثائقي الذي يحمل اسم "ميلانيا" (Melania) ، والذي دُفع له مبلغ 75 مليون دولار من جيب عملاق التجارة العالمية "أمازون" و"أمازون إم جي إم ستوديوز" (Amazon MGM Studios)، الملياردير جيف بيزوس، بنتائج عرض أول في بريطانيا لا تُصدق: تم بيع تذكرة واحدة فقط في لندن. هذا الرقم، بالإضافة إلى كونه إحباطًا تسويقيًا، وبدلالات أعمق، يكشف معنى أعمق للمقاومة الثقافية بأكثر أشكالها إيجابية. ما حصل، وببساطة، يُقرأ كرمز عالي التكثيف لأزمة أعمق وشديدة التعقيد في علاقة الإعلام بالسياسة والمال.

فشل "ميلانيا" يُقاس حكمًا بعدد التذاكر المباعة، لكنه أيضًا يُقاس بما يمثله من اصطدام بين منطق السوق الحر في هوليوود ومنطق النفوذ السياسي، الذي تجرأ ودخل منطقة الذوق العام بأقدام همجية من الجهل و"الفلغرة السياسية" لهوليوود نفسها، التي طالما استخدمت النجومية والموضة والتمويل الضخم للتأثير في الثقافة الجماهيرية. لكن هذه المرة، ولأسباب ارتباط كل ما يخص "ميلانيا" بدونالد ترامب وحالته "البلطجية"، من اختصامه لرؤساء دول "لا يهم إن كانوا ديكتاتوريين أم لا"، إلى انتزاع أرض من أصحابها أو محتليها التاريخيين، إلى النزوع "الطفلي" لرئيس مفسد بالدلال يطالب بالجوائز ويفرض تكريمه على شعوب الأرض جمعاء، لا يهمه إن بدا منتشيًا بالسلطة ومفجوعًا لالتهام الأضعف.

فشل "ميلانيا" يُقاس حكمًا بعدد التذاكر المباعة، لكنه أيضًا يُقاس بما يمثله من اصطدام بين منطق السوق الحر في هوليوود ومنطق النفوذ السياسي، الذي تجرأ ودخل منطقة الذوق العام بأقدام همجية من الجهل و"الفلغرة السياسية" لهوليوود نفسها

لهذا، وأمام كل هذا العنت والتجبر و"الصياعة" السياسية والثقافية والتسويقية، وجدت هوليوود نفسها، بصحبة الأقوياء، أمام جمهور "حنق وحرد" لا يبدو مستعدًا لشراء "أجندة" مفضوحة النوايا، أو الانصياع، أو حتى الاهتمام بحكاية إعلانية لا فنية ولا إعلامية لعارضة أزياء كانت ولا تزال سيدة أولى. فأمام هذا التجاهل القصدي الواعي من الجمهور، الذي يأبى أن يدفع سنتات من جيبه لصالح تحالف فاجع الدلالات، رئيس لم تعد تتسع السلطة لتطلعاته، وملياردير لا يهمه إن أهدر 75 مليون دولار، باتفاق غير مكتوب، أدار الجمهور رأسه بالاتجاه المعاكس.

المال والمال أيضًا

كان من الممكن أن يُروى فيلم "ميلانيا" كقصة نجاح سينمائي تعبّر عن سطوة الاسم والمال معًا، لكن ما حدث بدا أقرب إلى درس قاسٍ في حدود النفوذ المالي حين يصطدم بالصحوة الجماهيرية وبالصوابية السياسية بأكثر أفعالها إيجابية. "أمازون إم جي إم ستوديوز" دفعت نحو 40 مليون دولار مقابل حقوق الفيلم وحدها، وهو رقم يُعد من الأعلى على الإطلاق في سوق الأفلام الوثائقية التجارية، ثم أُضيف إليه ما لا يقل عن 35 مليون دولار للتسويق، لتصل الكلفة الإجمالية إلى نحو 75 مليون دولار، ميزانية تقترب من ميزانيات أفلام روائية ضخمة، ليست معتادة عند تنفيذ عمل وثائقي.

لكن، بالرغم من كل هذه الضخامة الإنتاجية، لم يُترجم الفيلم إلى حضور جماهيري. في بريطانيا، حيث طُرح الفيلم في أكثر من 100 صالة عرض، سُجّل في اليوم الأول بيع تذكرة واحدة فقط في أحد العروض الرئيسية بلندن، فيما أظهرت جداول عروض أخرى في مدن بريطانية مبيعات شبه معدومة، ما دفع بعض العروض للاعتماد على نظام تأجير القاعات مسبقًا بدل انتظار جمهور فعلي.

المقارنة مع وثائقيات أخرى تكشف حجم المفارقة وتبيّن معنى أن يصدقك الجمهور أو لا يفعل" فهرنهايت 11/9" (Fahrenheit 9/11) لمايكل مور، وهو أيضًا فيلم سياسي، حقق عند عرضه أكثر من 220 مليون دولار عالميًا، مدفوعًا بفضول جماهيري حقيقي تجاه اللحظة السياسية التي وثّقها. بسياق آخر، حقق فيلم (This Is It) عن مايكل جاكسون 250 مليون دولار، لأن الجمهور كان يرى فيه حدثًا ثقافيًا وعاطفيًا يتجاوز الشكل الوثائقي إلى الإحالة العاطفية لمشاهدين يعشقون مغني البوب الأشهر لديهم. حتى أفلام الطبيعة مثل (Earth) استطاعت بإيراداتها تخطّي 100 مليون دولار عالميًا بفضل جاذبيتها البصرية الواسعة وقدرتها على مخاطبة جمهور عابر للسياسة والأيديولوجيا.

الثقة وعقد غير مكتوب

هناك دائمًا عقد غير مكتوب بين الجمهور والفيلم الوثائقي. ليس عقدًا قانونيًا، بل أخلاقيًا وجماليًا في آن. حين يشتري المشاهد تذكرة لفيلم وثائقي، فهو قد يبحث عن المتعة والترفيه بمعناه الأعلى، لكنه يوقّع ضمنيًا على اتفاق بسيط:
"أعطني حقيقة ما… أو محاولة صادقة للاقتراب منها".

قد يتسامح الجمهور مع قلة الإمكانيات التقنية، مع بساطة الصورة، أو حتى مع بطء الإيقاع، لكنه لا يتسامح مع الشعور بأنه أمام مادة دعائية أو سرد مُصنّع بفجاجة لتلميع شخصية ما. الوثائقي، في وعي المتفرّج، ينتمي إلى منطقة "الثقة"، وهو بوظيفته الجمالية والفكرية مساحة يُفترض أنها أقل تزييفًا من السينما الروائية، أقل تواطؤًا مع التسويق، وأكثر قربًا من الواقع الإنساني أو الأسئلة الحقيقية الموجعة، الصادمة، أو الحارقة.

في حالة "ميلانيا"، يبدو أن عقد الثقة هذا كُسر قبل أن يُوقَّع. الفيلم لم يدخل الصالات إلا بالإكراه، لم يكن تحقيقًا أو كشفًا أو رحلة إنسانية نحو شخصية غامضة؛ بل دخل محمولًا على وسادة المال، تفوح منه رائحة الصفقات: ميزانية ضخمة، سيطرة صاحبة الموضوع على المحتوى والمقاربة والصورة، بالإضافة إلى توقيت سياسي هو الأسوأ في تاريخ إصدار الأفلام. كل ذلك حوّل العمل، في عين الجمهور، من وثائقي إلى فيلم دعائي لا يهم أحدًا.

مع "ميلانيا"، تحول المشاهد من شريك فضولي إلى متفرّج متحفّظ. خسر الفيلم البوابة الأولى للعبور، خسر العملة الأولى للفيلم الوثائقي، خسر الفضول لصالح الشك بالنوايا والتخوين الأخلاقي، فانْسحب الجمهور بصمت من اللعبة. لم يبدُ غضبًا، بل الأسوأ: لامبالاة، وهي أقسى رد فعل يمكن أن يواجهه فيلم.

قد ينجح الوثائقي حين يشعر المتلقي أنه سيخرج بفهم أعمق، بسؤال جديد، أو زاوية غير متوقعة توسّع من رؤيته. لكنه يفشل حين يشعر أنه مدعوّ ليكون شاهدًا على تصنّع مفبرك. في هذه اللحظة، تخبو أهمية المال والاسم والحملة الإعلانية. يبقى فقط ذلك العقد الخفي: هل أثق بك لأمنحك وقتي وبعضًا من دخلي؟ يبدو أن الجمهور أجاب هنا: لا.

في "ميلانيا"، لا نرى فشل فيلم فقط، بل نتابع بوعي تجربة جديدة على العقل الغربي نفسه، حيث للمرة الأولى، يتعامل جمهور غربي واسع مع عملٍ سينمائي بالطريقة التي اعتدناها نحن في عالمنا العربي منذ عقود. نعرف جيدًا هذا الإحساس، نعرف كيف يبدو فيلم تدفع به السلطة إلى الواجهة، مغطّى بالنجوم والميزانيات، لكنه مغطّى الوجه، مكشوف المؤخرة. هكذا نتعامل مع سينما إدارات التوجيه المعنوي بجيوش العالم الثالث: نتجاهلها.

كلمات مفتاحية
ميلي ألكوك

"سوبرغيرل" وهيلين الطروادية في مرمى المحافظين: النساء وحروب التمثيل في هوليوود

جدل جديد في هوليوود حول تمثيل النساء والهوية مع "سوبرغيرل" للمخرج جيمس غان، وملحمة كريستوفر نولان المرتقبة "الأوديسة"

فيلم "فيورد"

فيلم "فيورد": سؤال الله والأبناء

لن تمضي عشرون دقيقة على بداية فيلم "فيورد" حتى ينتابك إحساس عجيب، لا بالألفة فحسب، بل بالتماهي مع حكاية الفيلم وشخصياته

أنييس فاردا

أنييس فاردا: "السينما الجيدة هي سينما جيدة"

في العام 1954، التُقطت صورة لامرأة شابة، قصيرة القامة، في السادسة والعشرين، تقف على كتفي أحد عمّال السينما لتصل إلى الكاميرا. هكذا وجدت الحل بما كان متاحًا تحت قدميها

كأس العالم 2026
رياضة

عن المسافات الهائلة بين المدن المستضيفة لكأس العالم.. من أكثر المتضررين؟

ستشهد كأس العالم 2026 تفاوتًا كبيرًا في حجم التنقلات بين الفرق، فستضطر بعض المنتخبات إلى قطع آلاف الأميال خلال دور المجموعات، بينما ستتمتع أخرى بجدول مريح يسمح لها بالبقاء في منطقة جغرافية واحدة

كأس العالم 2026
رياضة

كيف يكشف مونديال 2026 أزمات العالم المعاصر؟

يخضع مواطنو 39 دولة لقيود سفر أميركية متفاوتة تحول دون وصولهم إلى الولايات المتحدة، تنقسم بين حظر شامل وحظر جزئي

لبنان
مجتمع

من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم

يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة

كأس العالم 2026
الترا لايت

هل تتحول كأس العالم 2026 إلى عبء مناخي عالمي؟

قد ينتج كأس العالم 2026 نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر