ميلانشون يعلن ترشحه لرئاسة فرنسا: اليسار يستعد لمواجهة اليمين المتطرف
4 مايو 2026
أعلن جان لوك ميلانشون، الشخصية البارزة في حزب "فرنسا الأبية" اليساري، أنه سيخوض الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، وذلك خلال ظهور تلفزيوني، مجيبًا عن سؤال بشأن ترشحه: "نعم، أنا مرشح".
وقال ميلانشون إن "الأمور واضحة ومحسومة بالنسبة إلينا، فهناك فريق، وبرنامج، ومرشح واحد"، معتبرًا أنه "الأفضل استعدادًا" داخل حزب "فرنسا الأبية"، ومشيرًا إلى أن إعلانه الترشح قبل عام من موعد الاستحقاق يعود إلى "الطابع الملح" للمرحلة.
وأضاف أن العالم يدخل "مرحلة شديدة الاضطراب"، محذرًا من تهديدات بحرب شاملة وتغير مناخي جذري، إلى جانب أزمة اقتصادية واجتماعية تلوح في الأفق.
كما يستعد إدوار فيليب، أول رئيس وزراء في حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عام 2017، لخوض انتخابات 2027 ممثلًا تيار يمين الوسط.
ويتقاطع مسار كل من ميلانشون وفيليب في انتمائهما السابق إلى الحزب الاشتراكي قبل أن يغادراه، إذ اتجه فيليب لاحقًا إلى اليمين ضمن التيار الديغولي، وكان قد شارك في الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك.
في المقابل، يحقق حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلّا، نتائج قوية في استطلاعات الرأي حاليًا، رغم فشله في السيطرة على أي مدينة كبرى خلال الانتخابات البلدية الفرنسية في مارس/آذار الماضي.
يرتكز السباق الانتخابي في فرنسا بين ثلاثة تيارات: اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان، ويمين الوسط الذي يمثله إدوار فيليب، واليسار بقيادة جان لوك ميلانشون
ولا تستطيع لوبان، التي خاضت الانتخابات الرئاسية في الدورات الثلاث الأخيرة، الترشح مجددًا بسبب إدانتها في قضية إساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي، وهي تسعى حاليًا للطعن في الحكم. وفي حال فشلها، يُتوقع على نطاق واسع أن يخوض بارديلّا السباق بدلًا منها.
ولفت ميلانشون إلى أن غياب الرئيس المنتهية ولايته عن السباق يجعل من حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف "خصمه الرئيسي"، مشككًا في دقة استطلاعات الرأي التي ترجّح تأهل هذا التيار إلى الجولة الثانية، وقال: "أعتقد أننا سنلحق بهم هزيمة ساحقة".
إذًا يرتكز السباق الانتخابي في فرنسا بين ثلاثة تيارات: اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان، ويمين الوسط الذي يمثله إدوار فيليب، واليسار بقيادة جان لوك ميلانشون.
ما هو مستقبل إيمانويل ماكرون؟
لا يستطيع إيمانويل ماكرون الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، بسبب قيود يفرضها الدستور الفرنسي، الذي يحدد عدد الولايات الرئاسية بولايتين متتاليتين كحد أقصى. وبما أن ماكرون انتُخب لولايتين متتاليتين في عامي 2017 و2022، فإنه يستنفد الحد الدستوري المسموح به، ما يمنعه قانونيًا من خوض السباق مجددًا في 2027.
من هو جان لوك ميلانشون؟
يُعد جان لوك ميلانشون أحد أبرز قادة اليسار في فرنسا خلال العقود الأخيرة، وشخصية محورية في إعادة تشكيل التيار اليساري خارج الإطار التقليدي للحزب الاشتراكي.
وُلد عام 1951 في طنجة، وانتقل إلى فرنسا عام 1962، حيث نشأ وتلقى تعليمه. درس الفلسفة وعمل مدرسًا وصحفيًا، قبل أن يدخل العمل السياسي من بوابة الحزب الاشتراكي عام 1976.
داخل الحزب، تدرّج في المناصب، وكان أبرزها توليه وزارة التعليم المهني بين عامي 2000 و2002. لكنه غادر الحزب عام 2008 بسبب خلافات أيديولوجية، ليؤسس لاحقًا تيارًا يساريًا جديدًا انتهى بإطلاق حركة "فرنسا الأبية".
ترشّح ميلانشون للانتخابات الرئاسية ثلاث مرات (2012، 2017، 2022)، وحقق أفضل نتائجه في انتخابات 2022 حين حلّ ثالثًا خلف مارين لوبان والرئيس إيمانويل ماكرون، ما عزّز موقعه كأحد أبرز المنافسين في الساحة السياسية الفرنسية.
أيديولوجيًا، يتبنّى برنامجًا يساريًا راديكاليًا يدعو إلى:
• تأسيس "الجمهورية السادسة" لإصلاح النظام السياسي.
• رفع الحد الأدنى للأجور وتقليص ساعات العمل.
• فرض ضرائب أعلى على أصحاب الدخل المرتفع.
• تبنّي سياسات أكثر انفتاحًا تجاه المهاجرين.
وفي السياسة الخارجية، يطرح مواقف نقدية من المؤسسات الغربية، إذ يدعو إلى الخروج من حلف الناتو وإعادة النظر في علاقة فرنسا بالاتحاد الأوروبي.
بهذا المسار، يُنظر إلى ميلانشون باعتباره صوت اليسار الشعبوي في فرنسا، وساعيًا إلى إعادة صياغة التوازنات السياسية في مواجهة اليمين والوسط.
ما المقصود بالجمهورية السادسة؟
يشير مفهوم "الجمهورية السادسة" في النقاش السياسي الفرنسي إلى مشروع لإعادة تأسيس النظام السياسي بشكل جذري، عبر تجاوز نموذج الجمهورية الخامسة القائم منذ دستور عام 1958 الذي أسسه شارل ديغول، ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة جعلته، وفق منتقديه، أشبه بـ"ملك غير متوّج" داخل النظام السياسي.
ويستند هذا الطرح إلى نقد النزعة الرئاسوية التي تطغى على النظام الحالي، مقابل الدعوة إلى إعادة التوازن بين السلطات، من خلال تقليص صلاحيات الرئيس وتعزيز دور الحكومة المنبثقة من الأغلبية البرلمانية، بحيث تصبح مسؤولة مباشرة أمام البرلمان.
كما يقوم المشروع على تعزيز الطابع البرلماني للنظام السياسي، عبر تقوية آليات الرقابة والمساءلة، وربط ممارسة السلطة بالمسؤولية السياسية، بما يعيد الاعتبار لدور البرلمان كمركز أساسي لصنع القرار.
وبذلك، تعكس "الجمهورية السادسة" تصورًا لنظام سياسي جديد يقوم على تقليص تركّز السلطة، وتعزيز المشاركة الشعبية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة الشأن العام.
الاتجاه الأوروبي نحو اليسار؟
أفرزت الانتخابات التشريعية المبكرة عام 2024 حالة من الاضطراب السياسي، إذ أخفق اليمين المتطرف، ممثلًا بحزب "التجمع الوطني" بزعامة مارين لوبان، في ترجمة تقدّمه الانتخابي إلى سلطة حاكمة، بينما برز تحالف يساري واسع تمثّل في "الجبهة الشعبية الجديدة" كقوة رئيسية داخل البرلمان، إلى جانب معسكر الوسط المرتبط بالرئيس إيمانويل ماكرون.
وفي السياق الأوروبي الأوسع، شكّلت التطورات الأخيرة في المجر ضربة إضافية لمعسكر اليمين، بعد خسارة رئيس الوزراء فيكتور أوربان في الانتخابات، وصعود منافسه بيتر ماغيار، في تحول لافت داخل المشهد السياسي المجري.
كما شهدت بلغاريا تطورًا سياسيًا، مع بروز قوى جديدة تعكس إعادة تشكّل التوازنات السياسية في شرق أوروبا.
وفي المملكة المتحدة، خسر حزب المحافظين السلطة لصالح حزب العمال بقيادة كير ستارمر، المحسوب على يسار الوسط.
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى تحوّل نسبي في المزاج السياسي الأوروبي، قد يمنح زعيم اليسار الفرنسي جان لوك ميلانشون فرصًا إضافية لتعزيز موقعه في الاستحقاقات المقبلة، في حال استمر هذا الاتجاه وتُرجم داخليًا ضمن توازنات المشهد السياسي الفرنسي.